مقصود به ما يكنّه من الحبّ لهاجر وإسماعيل ، وما يعلنه من الجفاء الذي يظهره لهما أمام سارة ، وكأن المعاني النفسية عاودته لحظة أن بدأ في سلام الوداع لهاجر وابنه إسماعيل .
ونقول : لقد كانت هاجر هي الأخرى تعيش موقفا صعبا ؛ ذلك أنها قد وجدت في مكان ليس فيه زرع ولا ماء ، وكأنها كتمت نوازعها البشرية طوال تلك الفترة وصبرت .
ولحظة أن جاء إبراهيم ليودّعها ؛ قالت له : أين تتركنا ؟ وهل تتركنا من رأيك أم من أمر ربك ؟ فقال لها إبراهيم عليه السلام : بل هو من أمر اللّه . فقالت : إذن لن يضيعنا .
وتأكدت هاجر من أن ما قالته قد تحقّق ؛ ولم يضيّعهما اللّه ، وحين يعطش وحيدها تجرى بين الصفا والمروة بحثا عن مياه ؛ ولكنها ترى تفجّر الماء تحت قدمي ابنها في المكان الذي تركته فيه ؛ ويبدأ بئر زمزم « 1 » في عطاء البشر منذ ذلك التاريخ مياهه التي لا تنضب « 2 » .
وهكذا يتحقق قول إبراهيم - عليه السلام - في أن اللّه يعلم ما نسرّ وما نعلن ؛ ذلك أن كل معلن لا يكون إلا بعد أن كان مخفيا ، وعلى الرغم من أن اللّه غيب إلا أن صلته لا تقتصر على الغيب ؛ بل تشمل العالم الظاهر والباطن ؛ وكل مظروف في السماء أو الأرض معلوم للّه ؛ لأن ما تعتبره أنت غيبا في ذهنك هو معلوم للّه من قبل أن يتحرك ذهنك إليه .
هامش
( 1 ) يقال : ماء زمزم : كثير بين الملح والعذب . [ لسان العرب - مادة : زمزم ] .
( 2 ) نضب الماء : ذهب في الأرض وبعد . ونضب البئر : نزح ماؤه ونشف . [ لسان العرب - مادة : نضب ] .