وأجاب الحق سبحانه دعاء إبراهيم فصار المكان بلدا ؛ وجعله سبحانه آمنا أمانا عاما ؛ لأن الإنسان في أىّ بقعة من بقاع الأرض لا يتخذ مكانا يجلس فيه ويقيم ويتوطّن إلا إذا ضمن لنفسه أسباب الأمن من مقوّمات حياة ومن عدم تفزيعه تفزيعا قويا ، وهذا الأمن مطلوب لكل إنسان في أىّ أرض .
وقد دعا إبراهيم عليه السلام هذا الدعاء وقت أن نزل هذا المكان ، وكان واديا غير ذي زرع ؛ ولا مقوّمات للحياة فيه ؛ فكان دعاؤه هذا الذي جاء ذكره في سورة البقرة .
أما هنا فقد صار المكان بلدا ؛ وكان الدعاء بالأمن لثانى مرة ؛ هي دعوة لأمن خاص ؛ ففي غير هذا المكان يمكن أن تقطع شجرة ؛ أو يصطاد صيد ؛ ولكن في هذا المكان هناك أمن خاصّ جدا ؛ أمن للنبات ولكلّ شئ يوجد فيه ؛ فحتى الحيوان لا يصاد فيه ؛ وحتى فاعل الجريمة لا يمسّ « 1 » .
وهكذا اختلف الدعاء الأول بالأمن عن الدعاء الثاني ؛ فالدعاء الأول : هو دعاء بالأمن العام ؛ والدعاء الثاني : هو دعاء بالأمن الخاص ؛ ذلك أن كل بلد يوجد قد يتحقّق فيه الأمن العام ؛ ولكن بلد البيت الحرام يتمتع بأمن يشمل كل الكائنات .
هامش
( 1 ) عن عبد اللّه بن عباس رضى اللّه عنهما قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم فتح مكة : « إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها ولا يختلى خلاها » فقال العباس : يا رسول اللّه إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال : « إلا الإذخر » . أخرجه مسلم في صحيحه ( 1353 ) .