أما عطاء الربوبية فهو ما يقيم حياة المصلّين وغير المصلّين .
ولم تأت مسألة إبراهيم هنا قفزا ؛ ولكنّا نعلم أن القرآن قد نزل ، وأول من سيسمعه هم السادة من قريش ؛ الذين تمتّعوا بالمهابة والسيادة على الجزيرة العربية ؛ ولا يجرؤ أحد على التعرّض لقوافلها في رحلتي الشتاء والصيف ؛ لليمن والشام ؛ وهم قد أخذوا المهابة من البيت الحرام .
ولذلك تكلّم الحق سبحانه عن النعمة العامة لكل كائن موجود تنتظر أذنه نداء الإسلام ؛ وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه عن النعم التي تخصّهم ؛ لذلك قال :
رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً . .
( 35 ) [ إبراهيم ]
وقد وردت هذه الجملة في سورة البقرة بأسلوب آخر ، وهو قول الحق سبحانه :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً . .
( 126 ) [ البقرة ]
والفرق بين « البلد » و « بلدا » يحتاج منّا أن نشرحه ، ف « بلدا » تعنى أن المكان كان قفرا « 1 » ؛ ودعا إبراهيم أن يصبح هذا المكان بلدا آمنا أي : أن يجد من يقيمون فيه ، يجدّدون حاجاتهم ومتطلباتهم ؛ وتكون وسائل الرزق فيه ميسّرة ، ودعاؤه أيضا شمل طلب الأمن ، أي : ألّا يوجد به ما يهدّد طمأنينة الناس على يومهم العادىّ ووسائل رزقهم .
هامش
( 1 ) القفر والقفرة : الخلاء من الأرض . وقد أقفرت الأرض : خلت من الكلأ والناس . [ لسان العرب - مادة : قفر ] .