وإذا كان الحق سبحانه يثبّت الذين آمنوا في الدنيا بالقول الثابت الحق فتثبيته لهم في الآخرة هو حياة بدون أسباب .
ونجده سبحانه لم يقل هنا : الحياة الآخرة ، بل قال :
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ . .
( 27 ) [ إبراهيم ]
ذلك أن الارتقاءات الطّموحية في الحياة تكون مناسبة للمجهود المبذول فيها ، ولكن الأمر في الآخرة يختلف تماما ؛ لأن الحق سبحانه هو الذي يجازى على قدر طلاقة مشيئته ، وهو يثبّتهم بداية من سؤال القبر ونهاية إلى أن يلقوا الثواب على حسن ما فعلوا من خير في سبيل اللّه .
وما دام الحق سبحانه قد ذكر هنا التثبيت في الحياة الدنيا والآخرة ؛ فلابدّ أن يأتي بالمقابل ، ويقول :
وَيُضِلُّ
« 1 »
اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ
( 27 ) [ إبراهيم ]
وسبحانه يضلّ الظالم لأنه اختار أن يظلم ؛ وهو سبحانه قد جعل للإنسان حقّ الاختيار ، فمن اختار أن يظلم ؛ لابدّ له من عقاب . وإذا كان سبحانه قد خلق الخلق وجعل الكون مسخرا لهم ؛ وأعطى المؤمن والكافر من عطاء الربوبية ؛ فإن اختار الكافر كفره ؛ فهو لن ينفّذ تكاليف الألوهية التي أنزلها اللّه منهجا لهداية الناس .
هامش
( 1 ) أي : يضلهم عن حجتهم في قبورهم . كما ضلّوا في الدنيا بكفرهم فلا يلقنهم كلمة الحق ، فإذا سئلوا في قبورهم قالوا : لا ندري . فيقول : لا دريت ولا تليت . وعند ذلك يضرب بالمقامع على ما ثبت في الأخبار . [ تفسير القرطبي 5 / 3702 ] .