أي : أنه إذا كانت هناك فضيلة مكتومة نسيها الناس ؛ فالحقّ سبحانه يتيح لها لسان حاسد حاقد ليثرثر وينبش وينقّب ؛ لتظهر وتنجلى ؛ مثلما يوضع خشب العود - وهو من أرقى ألوان البخور - في النار ، فينتشر عطره بين الناس .
وهكذا ضرب الشاعر المثل ليوضّح أمرا ما للقارئ أو السامع .
ويقول الشاعر ضاربا المثل أيضا :
وإذا امرؤ مدح امرءا لنواله « 1 » * وأطال فيه فقد أطال هجاءه
لو لم يقدّر فيه بعد المستقى * عند الورود لما أطال رشاءه « 2 »
والمقاييس العادية تقول : إن المرء حين يمدح أحدا لفترة طويلة ، فهذا يعنى الرّفعة والمجد للممدوح . ولكن حين يقرأ أحد قول هذا الشاعر قد يتعجّب ويندهش ، ولكنه يتوقف عند قول الشاعر أن الماء لو كان قريبا في البئر ؛ لأخرجه العطشان بدلو مربوط بحبل قصير ؛ ولكن إن كان الماء على بعد مسافة في البئر فهذا يقتضى حبلا طويلا لينزل الدلو إلى الماء .
وهذا يعنى أن طول المدح إنما يعبّر عن فظاظة الممدوح الذي لا يستجيب إلا بالثناء الطويل ؛ ولو كان الممدوح كريما حقا لاكتفى بكلمة أو كلمتين في مدحه .
هامش
( 1 ) النوال : العطاء . وأناله معروفه ونوّله : أعطاه معروفه . [ لسان العرب - مادة : نول ] .
( 2 ) الورود : الحضور والوصول للماء لتشرب . والرشاء : الحبل . يوصل به إلى الماء في البئر كما يوصل بالرشوة إلى ما يطلب من الأشياء . [ لسان العرب - مادة : رشو ] .