والحق سبحانه لا يستحى - كما قال - أن يضرب مثلا بالبعوضة وما فوقها « 1 » . والبعض من المستشرقين يقول : ولماذا لم يقل « وما تحتها » ؟ .
ونقول لمن يقول ذلك : أنت لم تفهم اللغة العربية ؛ لذلك لم تستقبل القرآن بالملكة العربية ؛ ذلك أن المثل يضرب بالشئ الدقيق ؛ وما فوق الدقيق هو الأدقّ .
والحق سبحانه يضرب لنا المثل للحياة الدنيا ، وهي الحياة التي من لدن خلق اللّه للإنسان ؛ ذلك أنه كانت هناك أجناس أخرى قبل الإنسان ، وهو سبحانه هنا يوضّح لنا بالمثل ما يخص الحياة من لحظة خلق آدم إلى أن تقوم الساعة ، وهو يطويها - تلك الحياة الطويلة العريضة التي تستغرق أعمار أجيال - ويعطيها لنا في صورة مثل موجز ، فيقول لنا :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً
« 2 »
تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
( 45 ) [ الكهف ]
هامش
( 1 ) يقول تعالى :إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها . .( 26 ) [ البقرة ] قال ابن كثير في تفسيره ( 1 / 64 ) : « معنى الآية أنه تعالى لا يستنكف أن يضرب مثلا ما أي مثل كان بأي شئ كان صغيرا أو كبيرا ، وما ههنا للتقليل . وقال الربيع بن أنس : هذا مثل ضربه اللّه للدنيا ، أن البعوضة تحيا ما جاعت ، فإذا سمنت ماتت ، وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب لهم هذا المثل في القرآن إذا امتلأوا من الدنيا ريا أخذهم اللّه عند ذلك » .
( 2 ) الهشيم : النبت اليابس المتكسر . وهو ما يبس من الورق وتكسر وتحطم ، فبلغ الغاية في اليبس حتى بلغ أن يجمع . [ لسان العرب - مادة : هشم ] .