أخرى ؛ لأنها تستوعب المكان والزمان ، والألسنة والأقوام .
ثم يأتي الإعجاز في قوله :
لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ . .
( 1 ) [ إبراهيم ]
ولم يقل من الظلمات إلى الأنوار ، وشاء أن يأتي بالظلمات كجمع ؛ وأن يأتي بالنور كمفرد ، لأن النور واحد لا يتعدد ؛ أما الظلمات فمتعددة بتعدّد الأهواء ؛ ظلمة هنا وظلمة هناك .
وحين يخرجنا الحقّ سبحانه من الظلمات المتعددة حسب أهواء البشر ؛ فهذا فضل منه ونعمة ؛ لأننا نخرج إلى النور الواحد .
وهكذا يشاء الحق سبحانه أن يجلى المعاني بالمحسّات التي يدركها الجميع ، فلا شك أن الظّلمة تستر الأشياء التي قد يصطدم بها الإنسان فيمتنع عن السير مطمئنا ؛ لأنه إن اصطدم بشئ فقد يحطّم الشئ أو يحطّمه هذا الشئ ؛ وهكذا تمنع الظّلمة الإنسان من أن يهتدى إلى ما يريد .
أما النور فهو يوضح الأشياء ، ويستطيع الإنسان أن يميّز بين الطرق ويتجنب الضار ويتجه إلى النافع ؛ ويكون على بصيرة من الهداية ؛ ذلك هو الأمر الحسىّ ؛ وكلّ من النور والظلمة أمر حسى .
وهكذا يجلّى اللّه لنا المعاني ، والحياة لا تحتاج فقط إلى ما يجلى المظاهر المادية بالنور ؛ بل تحتاج أيضا إلى نور يجلى المظاهر المعنوية ؛ من حقد وحسد ، وخوف وأمن ، واطمئنان ، وأمانة ووفاء ؛ وغير ذلك .