والمثل أمامنا حين حكم صلّى اللّه عليه وسلّم بالحق بين مسلم ويهودي ؛ وأنصف اليهودي ؛ لأن الحق كان معه « 1 » ؛ والحق عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أعزّ عليه ممّن ينتسب إلى الإسلام .
وهكذا نرى أن قوله الحق :
لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ . .
( 1 ) [ إبراهيم ]
دليل على عمومية الرسالة ، ويعزّزها قوله :
إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً . .
( 158 ) [ الأعراف ]
وبذلك تبطل حجّة من قالوا إنه مرسل للعرب فقط .
ونجد هنا اصطفاءين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
الاصطفاء الأول : أن الحق سبحانه قد اختاره رسولا ؛ فمجرد الاختيار لتلك المهمة ؛ فهذه منزلة عالية .
والاصطفاء الثاني : أنه رسول للناس كافّة ؛ وهذه منزلة عالية
هامش
( 1 ) أخرج ابن عساكر ( 7 / 354 تهذيب تاريخ دمشق ) عن عبد اللّه بن أبي حدرد الأسلمي أنه كان ليهودي عليه أربعة دراهم فاستعدى عليه . فقال : يا محمد إن على هذا أربعة دراهم وقد غلبني عليها ، قال : أعطه حقه . قال : والذي بعثك بالحق ما أقدر عليها ، قال : أعطه حقه . قال : والذي نفسي بيده ما أقدر عليها ، قد أخبرته أنك تبعثنا إلى خيبر فأرجو أن تغنمنا شيئا فأرجع فأقضيه . قال : أعطه حقه ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا قال ثلاثا لم يراجع ، فخرج ابن أبي حدرد إلى السوق وعلى رأسه عصابة وهو متزر ببردة ، فنزع العمامة عن رأسه فاتزر بها ونزع البردة فقال : اشتر منى هذه البردة . فباعها منه بأربعة دراهم . فمرّت عجوز فقالت : ما لك يا صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ فأخبرها . فقالت :
هادونك هذا البرد - لبرد عليها طرحته عليه . وكذا أخرجه أحمد في مسنده ( 3 / 423 ) وأورده الكاندهلوي في حياة الصحابة ( 2 / 81 ) .