أن كلّ أمر من أمر تلك الرسالات إنما صدر عن الحق سبحانه ؛ وهو الذي اختار كلّ معجزة لتناسب القوم الذين ينزل فيهم الرسول .
ويتابع سبحانه :
أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً . .
( 31 ) [ الرعد ]
وكلمة « ييأس » يقال إنها هنا بمعنى « يعلم » ؛ فهي لغة بلهجة قريش « 1 » ، أي : ألم يعلم الذين آمنوا أن هؤلاء الكفار لم يهتدوا ؛ لأن اللّه لم يشأ هدايتهم .
وكان المؤمنون يودّون أن يؤمن صناديد قريش كي يخفّ الجهد عن الفئة المسلمة ؛ فلا يضطهدونهم ، ولا يضايقونهم في أرزاقهم ولا في عيالهم .
ويوضح الحق سبحانه هنا أن تلك المسألة ليست مرتبطة برغبة المؤمن من هؤلاء ؛ بل الإيمان مسألة تتطلب أن يخرج الإنسان ما في قلبه من عقيدة ، وينظر إلى القضايا بتجرّد ، وما يقتنع به يدخله في قلبه .
وبذلك يمتلئ الوعاء العقدىّ بما يفيد ؛ كي لا تدخل في قلبك عقيدة ، وتأتى عقيدة أخرى تطرد العقيدة ، أو تزيغ قلبك عمّا تعتقد ، يقول تعالى :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ . .
( 4 ) [ الأحزاب ]
فالوعاء القلبي كالوعاء المادّى تماما ؛ لا يقبل أن يتداخل فيه
هامش
( 1 ) قيل : هو لغة هوازن . أي : أفلم يعلموا . وحكاه القشيري عن ابن عباس . ذكره القرطبي في تفسيره ( 5 / 3656 ) .