اثنين اثنين ليتناقش كل منكم مع من يجلس معه ؛ ولا يتحيز أحد منكم لفكر مسبق بل يوجّه فكره كله متجردا للّه .
وليتساءل كل واحد : محمد هذا ، صفته كذا وكذا ، وقد فعل كذا ، والقرآن الذي جاء به يقول كذا ، وسيجد الواحد منكم نفسه وقد اهتدى للحق بينه وبين نفسه ، وبينه وبين من جلس معه ليناقشه فيستعرضان معه تاريخ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به .
وحين يتناقش اثنان لن يخاف أىّ منهما أن يهزمه الآخر ، لكن لو انضمّ إليهما ثالث ؛ فكل واحد يريد أن يعتز برأيه ؛ ويرفض أن يقبل رأى إنسان غيره ، ويخشى أن يعتبر مهزوما في المناقشة ؛ ويرفض لنفسه احتمال أن يستصغره أحد .
ولذلك قال الحق سبحانه :
مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ . .
( 46 ) [ سبأ ]
و « الجنّة » هي اختلال العقل ؛ أي : أن من به جنّة إنما يتصرف ويسلك بأعمال لا يرتضيها العقل .
ويقرن الحق سبحانه بين العقل وبين الخلق ، فيقول :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
( 4 ) [ القلم ]
ويقال : فلان على خلق . أي : يملك من الصفات ما يجعله على الجادّة من الفضائل ؛ مثل الصّدق والأمانة ؛ وهذه صفات ينظمها في مواقفها الفكر العقلىّ ؛ وهو الذي يميّز لنا أىّ المواقف تحتاج إلى شدّة ؛ أو لين ؛ أو حكمة ، وكلّ هذه أمور يرتّبها العقل .