والذين يستجيبون للرب الذي خلق من عدم ، وأوجد لهم مقوّمات الحياة واستبقاء النوع بالزواج والتكاثر ؛ فإذا دعاهم لشئ فليعلموا أن ما يطلبه منهم متمّم لصالحهم ؛ الذي بدأه بإيجاد كل شئ لهم من البداية .
وهؤلاء الذين يستجيبون لهم الحسنى ؛ فسبحانه جعل الدنيا مزرعة للآخرة ، وأنت في الدنيا موكول لقدرتك على الأخذ بالأسباب ؛ ولكنك في الآخرة موكول إلى المسبّب .
ففي الدنيا أنت تبذر وتحرث وتروى وتحصد ، وقد تختلف حياتك شظفا « 1 » وترفا بقدرتك على الأسباب .
فإذا استجبت للّه واتبعت منهجه ؛ فأنت تنتقل إلى حياة أخرى ؛ تحيا فيها مع المسبب ؛ لا الأسباب ؛ فإذا خطر ببالك الشئ تجده أمامك ؛ لأنك في الحياة الأخرى لا يكلك اللّه إلى الأسباب ، بل أنت موكول لذات اللّه ، والموكول إلى الذّات باق ببقاء الذات .
ولذلك نجد الحق سبحانه يقول :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ . .
( 175 ) [ النساء ]
وبعض المفسّرين يقولون « إنها الجنة » وأقول : هذا تفسير مقبول ؛ لأن الجنة من رحمة اللّه ؛ ولكن الجنة باقية بإبقاء اللّه لها ؛ ولكن رحمة اللّه باقية ببقاء اللّه .
وهنا يقول الحق سبحانه :
هامش
( 1 ) الشظف : يبس العيش وشدته وضيقه . [ لسان العرب - مادة : شظف ] .