وهو سبحانه ينزل الماء من جهة العلو وهو السماء ، ونعلم أن الماء يتبخّر من البحار والأنهار والأرض التي تتفجّر فيها العيون ليتجمع كسحاب ؛ ثم يتراكم السحاب بعضه على بعض ؛ ويمرّ بمنطقة باردة فيتساقط المطر .
يقول الحق سبحانه :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها . .
( 17 ) [ الرعد ]
والوادي هو المنخفض بين الجبلين ؛ وساعة ينزل المطر على الجبال فهو يسيل على الأودية ؛ وكل واد يستوعب من المياه على اتساعه .
ولنا أن نلحظ أن حكمة اللّه شاءت ذلك كيلا يتحول الماء إلى طوفان ، فلو زاد الماء في تلك الأودية لغرقت نتيجة ذلك القرى ، ولخربت الزراعات ، وتهدمت البيوت .
والمثل على ذلك هو فيضان النيل حين كان يأتي مناسبا في الكمية لحجم المجرى ؛ وكان مثل هذا القدر من الفيضان هو الذي يسعد أهل مصر ؛ أما إذا زاد فهو يمثّل خطرا يدهم القرى ويخربها .
وهكذا نجد أن من رحمة الحق سبحانه أن الماء يسيل من السماء مطرا على قدر اتساع الأودية ؛ اللهم إلا إذا شاء غير ذلك .
والحق سبحانه هنا يريد أن يضرب مثلا على ما ينفع الناس ؛ لذلك جاء بجزئية نزول الماء على قدر اتساع الأودية .
ومن رأى مشهد نزول المطر على هذا القدر يمكنه أن يلحظ أن نزول السّيل إنما يكنس كل القشّ والقاذورات ؛ فتصنع تلك الزوائد