وكأن هناك « نموذجا » مصغّرا يعلمه اللّه أولا ؛ وإن اطلع عليه الإنسان في أواخر العمر ؛ لوجده مطابقا لما أراده وعلمه اللّه أولا ؛ فلا شئ يتأبّى عليه سبحانه ؛ فكلّ شئ عنده بمقدار .
وهو عالم الغيب والشهادة ؛ يعلم ما خفى من حجاب الماضي أو المستقبل ، وكلّ ما غاب عن الإنسان ، ويعلم - من باب أولى - المشهود من الإنسان ، فلم يقتصر علمه على الغيب ، وترك المشهود بغير علم منه ؛ لا بل هو يعلم الغيب ويعلم المشهود :
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ
( 9 ) [ الرعد ]
والكبير اسم من أسماء اللّه الحسنى ؛ وهناك من تساءل : ولماذا لا يوجد « الأكبر » ضمن أسماء اللّه الحسنى ؛ ويوجد فقط قولنا « اللّه أكبر » في شعائر الصلاة ؟
وأقول : لأن مقابل الكبير الصغير ، وكل شئ بالنسبة لموجده هو صغير . ونحن نقول في أذان الصلاة « اللّه أكبر » ؛ لأنه يخرجك من عملك الذي أوكله إليك ، وهو عمارة الكون ؛ لتستعين به خلال عبادتك له وتطبيق منهجه ، فيمدّك بالقوة التي تمارس بها إنتاج ما تحتاجه في حياتك من مأكل ، وملبس ، وستر عورة .
إذن : فكلّ الأعمال مطلوبة حتى لإقامة العبادة ، فإياك أن تقول :
إن اللّه كبير والباقي صغير ، لأن الباقي فيه من الأمور ما هو كبير من منظور أنها نعم من المنعم الأكبر ؛ ولكن اللّه أكبر منّا ؛ ونقولها حين يطلب منّا أن نخرج عن أعمالنا لنستعين بعبادته سبحانه .
ونعلم أن العمل مطلوب لعمارة الكون ، ومطلوب حتى لإقامة العبادة ، ولن توجد لك قوة لتعبد ربك لو لم يقوّك ربّك على عبادته ؛