لسانكم ، وتعلمون أنه لم يجلس إلى معلّم ؛ ولا علم عنه أنه خطب فيكم من قبل ، ولم يقرض « 1 » الشعر ، ولم يعرف عنه أنه خطيب من خطباء العرب .
ولذلك جاء الحق سبحانه بالقول على لسانه :
قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً
« 2 »
مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 16 ) [ يونس ]
أي : أنني عشت بينكم ولم أتكلّم بالبلاغة ؛ ولم أنافس في أسواق الشّعر ؛ وكان يجب أن تؤمنوا أنه قول من لدن حكيم عليم .
ولكن منهم من قال : « لقد كان يكتم موهبته وقام بتأجيلها » .
وهؤلاء نقول لهم : هل يمكن أن يعيش طفل يتيم الأب وهو في بطن أمه ؛ ثم يتيم الأم وهو صغير ، ويموت جدّه وهو أيضا صغير ، ورأى تساقط الكبار من حوله بلا نظام في التساقط ؛ فقد ماتوا دون مرض أو سبب ظاهر ؛ أكان مثل هذا الإنسان يأمن على نفسه أن يعيش إلى عمر الأربعين ليعلن عن موهبته ؟
ثم من قال : إن العبقرية تنتظر إلى الأربعين لتظهر ؟ وكلنا يعلم أن العبقريات تظهر في أواخر العقد الثاني وأوائل العقد الثالث .
هامش
( 1 ) القريض : الشعر . والقرض : قرض الشعر . وقرض في سيره يقرض قرضا : عدل يمنة ويسرة . وقال الجوهري : القرض قول الشعر خاصة . يقال : قرضت الشعر أقرضه إذا قلته . [ لسان العرب - مادة : قرض ] .
( 2 ) قال ابن كثير في تفسيره ( 2 / 410 ) : « قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة :
بعث اللّه فينا رسولا نعرف صدقه ونسبه وأمانته ، وقد كانت مدة مقامه عليه السلام بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة » .