وأقول هذا المثل لأوضح - لا لأشبّه فسبحانه منزّه عن التشبيه - ونحن نقول : فلان فكّر أولا ثم دبّر ، والتفكير هو العملية التي تبحث فيها عن الشئ لإخراج المطلوب منه ؛ كأن تأتى بقليل من حبوب القمح لتفركه بيدك لتخرج القمحة من قشرته .
هذا هو التفكير الذي يطلب منك أن تبحث وتنقّب إلى أن تصل إلى لبّ الأشياء . والتدبّر يقتضى ألّا تقتنع بما هداك إليه فكرك في نفس اللحظة ، ولكن أن تمحّص الأمر لترى ماذا سينتج عن تنفيذ ما وصل إليه فكرك ؟
فربما ما فكرت فيه يسعفك ويعينك في لحظتك الحالية ؛ لكنه سيأتي لك بعطب بعد قليل .
والمثل الذي أضربه على مثل هذه الحالة دائما هو اختراع المبيدات الحشرية ؛ ولم يفطنوا إلى أن هذه المبيدات لا تقتل الحشرات الضارة وحدها ، بل تسمّم الطيور التي كانت تفيد الفلاح .
ووصل الأمر إلى حدّ تحريم استخدام هذه المبيدات ؛ وجاء هذا التحريم ممن تفاخروا من قبل على كل شعوب الأرض باختراعهم لتلك المبيدات ، فقد فطنوا إلى أنّ ما جاءهم من خير عن طريق تلك المبيدات هو أقلّ بكثير من الضّرّ الذي وقع بسببها .
وهذا يعنى أنهم لم يتدبروا اختراعهم لتلك المبيدات ؛ فقاموا بتصنيعها لفائدة عاجلة ، دون أن يلتفتوا إلى الخطورة الآجلة ، وكان لا بدّ لهم أن يتدبروا الأمر ؛ لأن التدبّر معناه النظر في دبر الأشياء .
تفسير الشعراوي — صفحة 7183
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٧١٨٣