وقلنا قديما : إن الحق سبحانه قد خيّر الإنسان :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ
« 1 »
مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
( 72 ) [ الأحزاب ]
وبذلك قبل الإنسان أداء الأمانة وقت أدائها ؛ لا وقت تحمّلها ، ووقت الأداء غير وقت التحمّل ، وضربت المثل بمن يقول لصديقه :
« عندي ألف جنيه ؛ وأخاف أن يضيعوا منّى ؛ فاحفظهم لي معك ؛ وحين أحتاجهم اعطهم لي » .
ويقول الصديق : « هات النقود وسأعطيها لك وقت أن تطلبها » .
والصديق صادق وقت تحمّل الأمانة ؛ لكن ظروفا تمرّ عليه ، فيتصرّف في هذه الأمانة ؛ وحين يطلبها صاحبها ؛ قد يعجز حامل الأمانة عن ردّها ، وهو بذلك ضمن نفسه وقت التحمّل ؛ لكنه لم يضمن نفسه وقت الأداء .
وكان من الواجب عليه أن يقول لصديقه لحظة أن طلب منه ذلك :
« أرجوك ، ابتعد عنّى لأنّى لا أضمن نفسي وقت الأداء » .
وقد أبت السماء والأرض والجبال تحمّل الأمانة وقت عرضها ؛ وقبلت كل منهم التسخير ؛ فلا الجبال ولا السماوات ولا الأرض لها قدرة الاختيار ، ولا هوى لأىّ منها في هذه القدرة ؛ مثلها في ذلك مثل كل أجناس الكون ما عدا الإنسان ؛ ولم نجد فسادا في الأرض
هامش
( 1 ) أشفق من الشئ : خشي أن يناله منه مكروه . وقوله تعالى :فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها . .( 72 ) [ الأحزاب ] . أي : ضقن من حمل الأمانة ، ومن نتائج عدم الوفاء بحقوقها .
[ القاموس القويم 1 / 351 ] .