من ناحية الإمام ومنصوبه ، كان ذلك في زمان حضوره مع عدم بسط يده ، كالأزمنة الواقعة بين الحسنين عليهما السلام - أعني بين صلح الحسن المجتبى إلى زمان ارتحال الحسن العسكري عليه السلام - أو في زمان غيبة الإمام عليه السلام كالأعصار التالية لذلك الزمان إلى عصرنا هذا ، حيث لم يتّفق انعقاد حكومة إسلاميّة في ناحية من نواحي الأرض بيد الفقيه الجامع لشرائط الفتوى والولاية على الناس .
ولو فُرض في عصر الغيبة تمكّنُ فقيه واجد لتلك الشرائط من عقد دولة حَقّة ، وتشكيل حكومة إسلاميّة في قُطرٍ من الأقطار ، أو في جميع الأرض ، وتسلّط على الأمور ، وتصدّى لإدارة المجتمع البشري ، فالظاهر المؤيّد بالأدلّة القطعيّة الشرعيّة والعقليّة ثبوت الولاية الشرعيّة له على أنفس الناس وأموالهم ، نظيرة الولاية الثابتة للأئمّة المعصومين عليهم السلام ، ويترتّب عليها جميع ما يترتّب على تلك الولاية من شؤونها وآثارها ؛ فله تَجنيد الجُنْد ، ونَصْب القُضاة ، وإجراء الحدود ، والتصرّف في الأخماس والأنفال والأراضي المفتوحة عَنْوَةً ، وغيرها .
والظاهر أنّ من ذلك أيضاً إقامة الجمعات ، ونصب الأئمّة لذلك ، أو للأعمّ منها ، وإن كان يتوهّم عدم وجوبها عليه ، بل هو مرخّص في التصدّي وعدمه ، نظير جباية الزكوات ، ونصب الأئمّة لإدارة الحرمين ، وأمور الحجّاج ؛ لكن الأظهر الأوّل ، لفحوى بعض النصوص ، واقتضاء طبع هذه الفريضة التي لا يخفى تأثيرها في إيقاظ الناس وهدايتهم إلى مصالحهم ، واقتضاء مكانتها السامية لإعلاء كلمة التوحيد وتوحيد كلمة المسلمين ، وغيرها من الجهات التي تجعلها عند التأمّل من شؤون الحاكم الإسلاميّ التي يجب عليه القيام بذلك .
وعلى هذا ، فلو فُرض تصدّيه للإقامة ونصب الأئمّة لها ، كان الحكم آنئذٍ نظير زمان النبي صلى الله عليه وآله والوليّ عليه السلام ، ولا يكون لأحدٍ إقامتها بدون الإذن والنصب .
نعم ، لو كان المصلّي في مكانٍ لم يصل إليه سلطانه ولم تبلغه حكومته ، دخل في موارد تعذّر الشرط ، وجاء فيه ما سنذكره .
وكيف كان ، فالظاهر في المسألة الجوازُ ، كما هو المشهور بين الأصحاب .
رساله هاى فقهى و اصولى — صفحة 474
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٤٧٤