الصبح والعصر - وهي هنا تشمل الخطبتين ؛ لورود النصّ على كونهما جزءاً من الصلاة ، أو بحكمها ؛ والمجموع منها هو المراد بالذكر هنا بلا إشكال .
ووضع الظاهر موضع الضمير ؛ لبيان أنّهما من أظهر مصاديق ذكر اللّه تعالى ، لا سيّما بملاحظة الخطبتين .
والألف واللّام فيها إمّا للعهد ، كما قيل بملاحظة مورد نزول الآية ، وموطن هبوطها ؛ فهي تحثّ المؤمنين نحو الصلاة الخارجيّة المعهودة التي كانت تُقام في تلك الأزمنة ، لكونها ذكر اللّه تعالى . وإمّا للجنس ؛ فهي تحثّهم نحو حقيقة كلّيّة خاصّة أينما وجدت ومهما تحقّقت ، كقوله تعالى : « حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى » ؛ « 1 » فللمخاطبين إذا لم يسبق علمهم بها ، السؤالُ عنها وعن كيفيّتها . كيف والآية الشريفة خطابٌ للجوامع البشريّة ، يشمل الذين لم يعهد عندهم تلك الصلاة ، فعليهم الطلب والتحقيق .
وأمّا قوله تعالى : « وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً » ، « 2 » فهو لا ينافي المعنى المذكور ؛ بل هو حكاية حال ماضية ، يعلم به بَعد معرفة القضيّة الواقعة أنّه كان قد وصل الحكم إلى المنفضّين إلى اللَّهو والتجارة قبل نزول الآية ، مع أنّه يمكن أن يكون نزول هذه الآية بعد مدّة مِن نزول حكم الجمعة بالآية السابقة .
وكيف كان ، فالمحصّل من الآية الكريمة إطلاق وجوب السعي متى أقيمت الجمعة ، لكن نعلم من الخارج أنّ المنادى له وما يجب السعي إليه هو الجمعة الصحيحة الواجدة لشرائطها ؛ إذ لا معنى للدعوة نحو العمل الباطل .
فالآية ناظرة إلى حال مَن يجب عليه الحضور ، وليست في مقام بيان حال الصلاة المدعوّ إليها ، وبيان حقيقتها ، وشرائط وجوبها ووجودها ، ولا مَن ينادى إليها ويقيمها . فإطلاق السعي لا ينفع إلّاإذا شكّ في كيفيّة السعي وبعض مصاديقه ، فليطلب ذلك من دليل آخر غير هذه الآية .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 238 . .
( 2 ) . الجمعة ( 62 ) : 11 . .