اللَّهُمَّ إلّاأن يقال : إنّ المراد بها الأعمّ من جميع الصُّور ، والمخاطب أعمّ من الحكّام والناس ؛ فتشمل الصورة الأولى وصورة اقتضاء الجهاد الدفاعي وجود الحاكم ، ولزوم تصدّيه لذلك ، كما في هذه الأعصار ، فتدلّ على المطلب . وعلى فرض كونها لبيان الرباط فقط ، كانت متوافقة المؤدّى مع قوله تعالى : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ » . « 1 »
وقوله : « وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ » . « 2 »
والخطاب فيه لجميع الناس . وكلمة « من » إمّا للتبعيض ، فالمعنى : لتخرج ولتكون من بينكم طائفة هذه صفتها . أو للتبيين - أي نشويّة ابتدائيّة - والمعنى : كونوا امّةً هذه صفتها ، كما تقول لزيد : ليَكُن منك إنسان كامل ، أو صديق كريم .
والظاهر هو الأوّل .
والامّة : الطائفة المجتمعة على قصدٍ واحد . والمراد بالخير أعمّ من صلاح الدُّنيا والدِّين ؛ فالدعوة إلى الخير هو تعليم جميع العلوم التي فيها مصلحة الدُّنيا والدّين ، ويدخل فيه تعلّم المعارف الشرعيّة ، وتعلّم الفقه والفتوى للناس ، والأمر والنهي يشملان جميع مراتبهما من الوعظ والإنذار والضرب والقطع والقتل .
وعلى هذا ، ففي كلّ من الدعوة والأمر والنهي تخصيص مِن جهة وتعميم من أخرى . أمّا التخصيص ، فظاهر الآية الشريفة اختصاصها بطائفة خاصّة نشأت وتولّدت من متن الامّة ، وترعرعت وشبّت فيما بينهم ، فتجب الأمور المذكورة عليهم عيناً أو كفاية . وأمّا التعميم ، فتعمّ الآية التعليم بنحو الاجتهاد والإفتاء والأمر والنهي في مرتبتهما الكاملة . وحيث إنّ الإفتاء لا يمكن إلّامن الفقيه الواجد لشرائطه ، والأمر والنهي كذلك لا يصحّان إلّامن الحاكم والوالي ، فالآية تحثّ الناس إلى التسبّب لوجود الفقيه والحاكم والوالي .
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 200 . .
( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 104 . .