وما ذكره واستدلّ به من كلام الأستاذ قدس سره لا يكون دليلًا على مدّعاه ؛ فإنّ مفاده : أنّ نفس جعل الأحكام وتشريعها في الشريعة لا يكفي في عمل الامّة ؛ بل اللّازم أن تكون هناك قوّة خارجة عن ذلك منفّذة لها . وهذا أمرٌ واضح ، غير كون القوّة التنفيذيّة ، داخلة في نسج الأحكام ؛ بل هو عين ما دلّت عليه النصوص من ابتناء الإسلام على دعامة الولاية . وبالجملة هذا الدليل لا يسمن ، ولا يُغني من جوع .
اللَّهُمَّ إلّاأن يُقال : إنّه بعد قبول توقّف الأحكام الثانويّة على الحكومة لا إشكال في مطلوبيّة جريانها مطلقاً ؛ ولو لم تكن الحكومة متحقّقة وشرطيّة الحكومة لها ، ليس بنحو شرط الوجوب ، بل شرط الوجود ؛ فيجب على الامّة تشكيل الحكومة وتعيين الحاكم مقدّمة للعمل عليها . ومع انضمام ما سبق من المقدّمة ، من أنّه لا يصلح للحكومة إلّاالفقيه الواجد للشرائط ، يثبت المطلوب .
فملخّص هذا الدليل إثبات وجوب الحكومة للوصول إلى الأحكام الثانويّة ، وإلى المرتبة الكاملة من جميع الأحكام ، كما أنّ ملخّص الدليل السابق - وهو بناء الإسلام على خمس - كان من جهة مقدّميّة الحكومة ؛ لجريان أحكام الإسلام الأوّليّة في مرتبتها الكاملة .
الدليل السابع [ على المدّعى ]
ومنها : ما قد يستدلّ به على المطلب أيضاً ، وهو مبنيّ على مقدّمتين :
الأولى : أنّه لا شبهة ولا ريب في أنّ الحكومة والقانون من ضروريّات البشر ، بمعنى أنّه بعد اجتماع هذا النوع في الأمكنة والبلدان ، وتعاونهم في حياتهم ، وتعاضدهم في أمورهم ، اضطرّوا إلى قوانين مقرّرة تكون برامج حياتهم ، وقوّة منفذّة تكون مسلّطة عليهم ، حافظة لقوانينهم ، مانعة عن تعدّيهم وتكالبهم « 1 » وتفانيهم « 2 » ؛ وهذا
هامش
( 1 ) . يقال : كالَبَ الرجل مُكالبةً : ضايَقَه ، كمضائقة الكِلاب بعضها بعضاً عند المهارشة . لسان العرب ، ج 1 ، ص 724 ( كلب ) . .
( 2 ) . تفانَى القومُ قتلًا : أفنى بعضهم بعضاً . وتفانَوا ؛ أي أفنى بعضهم بعضاً في الحرب . لسان العرب ، ج 15 ، ص 164 ( فني ) . .