يحصل له الاطمئنان بكونها صادرة عن معدن الوحي والتنزيل ؛ والإنصاف أنّ هذه قرينة تورث الاطمئنان على الصدور ، ولا يشترط في الخبر إلّاالوثوق بالصدور ، لا الوثوق بالراوي .
الجهة الثانية : لا إشكال في دلالة الحديث على المطلوب ، وصراحته في لزوم وجود الإمام لكلّ ملّة ؛ لكنّه يظهر منه كون أمر الإمامة وتعيين الإمام الحاكم بيد الرعيّة ، وأنّهم المختارون المنتخبون . وما أشير فيه من ذكر اختيار اللّه تعالى ورسوله ، فكأنّه مذكور فرضاً وتتميماً للجواب على كلّ تقدير . ومع التنزّل ، يظهر منه صحّة كلا الوجهين - اختيار الامّة ، واختيار اللّه تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله - وهذا لا يلائم مذهبنا في الإمامة والولاية الإسلاميّة .
أقول : توضيح الكلام في المقام يتوقّف على بيان كيفيّة تعيين الإمام بعد النبيّ الأقدس صلى الله عليه وآله في الشريعة الإسلاميّة عندنا وعند أهل الخلاف ، ثمّ الإشارة إلى حال الحديث الشريف ومفاده .
فنقول : أمّا التعيين على مسلك القوم ، فإنّهم قد أنكروا النصب الإلهي في غير النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله ، وادّعوا أنّه صلى الله عليه وآله لم يكن مأموراً بشيء في مسألة الخلافة ؛ فقد ارتحل [ النبي ] صلى الله عليه وآله ولم ينصب شخصاً خاصّاً ، ولا أشخاصاً بنحو الشورى ، ولا غير ذلك ، ولم يعيّن أحداً لحفظ الشريعة التي جاء بها من قِبل اللّه تعالى ، وأتعب نفسه الزكيّة في إبلاغها طيلة ثلاث وعشرين سنة ، وضحّى في هذا السبيل أقربائه وأرحامه . ولم ينصب أيضاً أحداً لإدارة أمر الحكومة التي أسّسها وشيّد أركانها وأحكم قوائمها ، على خلاف السُّنة الثابتة من الأنبياء الماضين ، وسنّة نفسه الزكيّة أيضاً في أيّام حياته ، وعلى خلاف ما هو السيرة المتعارفة العقلائيّة الجارية بين أهل الدُّنيا في الاهتمام بإدامة ملكهم ، وبقاء سيطرتهم ؛ حقّاً كان ، أو باطلًا .
وبالجملة ، فقد أسّس صلى الله عليه وآله في حياته أمرين عظيمين ، وبنى بنائين كبيرين : الشريعة ، والحكومة . ثمّ ارتحل ، ولم يصدر منه بالنسبة لحالهما أمرٌ من قولٍ أو كتابٍ أو عملٍ .
وهذا ممّا لا يكاد ينقضي منه العَجَب ! ولَعَمْري ، إنّه لا يمكن نسبة أيّ أمرٍ قبيح إلى
رساله هاى فقهى و اصولى — صفحة 352
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٣٥٢