متنها قرائن تدلّ على الصحّة .
وأمّا فقه الحديث ، فالعلّة الأولى المذكورة فيه ترجع إلى دليل عقلي ، وهو وجوب مقدّمة الواجب عقلًا ، أو عدم جواز نقض الحكيم القادر غرضه الأصيل ؛ فإنّ الحدّ المحدود الذي وقف الناس عليه ، وليس لهم أن يتجاوزوا عنه ، هو أحكام اللّه تعالى المجعولة للمكلّفين - تكليفيّة أو وضعيّة - فإنّ الحدّ المنع وإطلاق الحدّ عليها لأجل أنّ الوقوف عندها وعدم التجاوز عنها مانع عن انحراف المكلّفين ووقوعهم في الفساد . وحيث إنّ الأحكام الشرعيّة مجعولة لإيصال المكلّفين إلى ملاكاتها الكامنة ، وهي الغرض الأصلي من خلقهم وتكليفهم ، ولذلك يقال : إنّ الأحكام الشرعيّة ألطاف في العقليّات ، فهي مقرّبة إلى الواجبات العقليّة ، ومقدّمة موصلة إليها ، ولا يمكن القرب والوصول إلّابأن يجعل عليهم فيها أميناً ؛ فتركُ النصب سببٌ لإعراض الناس عن الأحكام وتعطيلها ، وبطلان الغرض الأسمى ؛ ولا يجوز ذلك للحكيم .
والعلّة الثانية أيضاً ترجع إلى وجوب نصب الإمام والوالي وجوباً عقليّاً ؛ ببيانِ : أنّ اللّه خلق الخلق ، وقد شاء وأراد أن يبقوا في الدُّنيا ، ويعيشوا فيها ، بما قدّر لهم من الأعمار ، آمنين مطمئنّين ، تحفظ نفوسهم من القتل ، وأموالهم من التلف والنهب ، ويتمكّنوا من إنجاز مقاصدهم الدينيّة والدنيويّة ، وهذا يتوقّف على نصب الإمام ، ويكون تركه نقضاً للغرض .
والظاهر أنّ الفرق بين الدليلين : أنّ الأوّل مسوق لإثبات لزوم الإمام بملاك الإيمان والعمل بالدِّين ، والثاني مسوق لإثباته بملاك بَقائهم في الدُّنيا سالمين ، وإدامة الحياة فيها ، ولو مع قطع النظر عن الدِّين .
ومحصّل هذا الحديث : أنّه يجب على اللّه تعالى عقلًا من باب اللّطف أن ينصب في كلّ زمان أو مكان إماماً يتولّى أمر الناس ، ووليّاً يتصدّى لتدبيرهم وتربيتهم .
إن قلتَ : يمكن أن يكون المراد الإمام المعصوم والحجّة المنصوبة من اللّه تعالى - حاضراً كان ، أو غائباً - وهو غير المدّعى ؟
قلنا : مقتضى ما ذكر في الحديث من الأدلّة لزوم الوالي الحاضر في الناس ، الظاهر
رساله هاى فقهى و اصولى — صفحة 347
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٣٤٧