هذا ، ولكن لا دلالة في الآية والحديث على ذلك التخصيص ؛ فإنّ الظاهر أنّ المراد بقوله تعالى : « وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ » إيجاب امّة تكون ممحّضة مهيّأة للُامور الثلاثة التي لا يمكن تحقّقها من العامّة ؛ إذ المراد بالخير فيها جميع الخيرات من العقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة والأعمال الحسنة ، بل وسائر العلوم والمعارف الدينيّة ، والعلم بها مقدّمة للدعوة إليها ينحصر في علماء الدِّين من الفقهاء في الفقه والمتكلِّمين والمحدِّثين والمفسِّرين وغيرهم ، وظاهرٌ أنّه لا يمكن تحصيلها للعامّة ، فأوجب اللّه قيام عِدّة خاصّة بتعلّمها ، ودعوة الناس إليها ؛ فالآية الشريفة نظيرة قوله تعالى : « وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ » « 1 » ، وهكذا قوله : « يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ » « 2 » ؛ فإنّ المراد اتّخاذهما عملًا وشغلًا دائميّاً ؛ وهذا لا ينافي بقاء وجوبهما على الناس ممّن يقدر عليهما بشرائطهما .
وأمّا الحديث ، فالظاهر أنّ المراد بالقويّ المُطاعِ العالمِ مَن يقوى على إنفاذ أمره ونهيه ، ويقبل ذلك منه - ولو في موارد معدودة - ومن يعلم بالمعروف من المنكر في كلّ موردٍ أقدم عليه فيه ؛ فلا يستفاد منه إلّاالشرطان من الشروط التي ذكرنا .
إذاً فالمخاطَب في الآيات والنصوص العامّة أو المطلقة باقٍ على شموله لكلّ مؤمن ، ولا دليل على اختصاصه بولاة الأمر .
وأمّا الكلام في المأمور به - أي الأمر والنهي والحمل والزجر - فقد قسّمهما الأصحاب بملاحظة نفسهما إلى أصناف ثلاثة :
الأوّل : الأمر والنّهي قلباً . وهما وإن لم يكونا من مصاديق الأمر والنّهي حقيقةً إلّا أنّ ظاهر النصوص عدّهما منهما ، فيدخلان فيهما حكماً ؛ فجعل حبّ صدور الفعل من شخص وبغضه قلباً ممّن لم يقدر على الأمر والنهي قولًا وعملًا بحكم الأمر والنهي مثوبة .
الثاني : الأمر والنهي قولًا .
والثالث : الأمر والنهي عملًا .
وجعل بعضهم المرتبة الأولى إظهار كراهة المنكر ، أو ترك المعروف بإظهار الانزعاج من الفاعل ، أو الإعراض والصدّ عنه ، أو ترك الكلام معه ، ونحو ذلك .
هامش
( 1 ) . التوبة ( 9 ) : 122 . .
( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 104 و 114 ؛ التوبة ( 9 ) : 71 . .