على الناس ، والترأّس عليهم . ولو فرض وجود حكومة صالحة فيما بينها ، فهي لا تتجاوز من رعاية صلاح الدُّنيا ، ونظم أمرها ، وتأمين جهات الاستمتاع النفسانيّة منها .
فالدُّوَل في هذه الأعصار قد عزلوا الدِّين عن أمر الحكومة ، والتدخّل في شؤونها ؛ بل الأمر كذلك في الدُّوَل الإسلاميّة أيضاً ، فهجروا الكتاب والسنّة وأحكامهما ، وعزلوهما عن التدخّل في الأمور الحكوميّة ، وجعلوا محلّ العمل بهما زوايا البيوت والمساجد لمن أراد ذلك ، قائلين : إنّ الديانة تُنافي السياسة ؛ فاقرأ هذا ، واذْكُر قول اللّه تعالى : « وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً » . « 1 »
المسألة 15 - حيث عرفتَ ابتناء الحكومات العصريّة كلّها على اسَس الحياة المادّيّة ، فقوانينها الحكوميّة الراجعة إلى مختلف شؤون الدولة وإدارة أمور الملّة - المدوّنة في دستوراتهم « 2 » - أيضاً مجعولةٌ من قِبلهم ، ومُنشأة من ناحية علمائهم ، ومَهَرَة الفنون منهم ، مستمدّين في تنظيمها من تجارب غيرهم ، والسالِفين منهم ؛ فدستورُ كلّ دولة في هذه العصور مجموعةُ أصول وقواعد ترسّخت من أذهان البشر وأفكارهم ، مدعومة بتجارب أشباههم وأسلافهم ، متغيّرة بتغيّر الأزمان والأمصار والحالات .
وأمّا الحكومة الإسلاميّة ، فأصول قوانينها وكلّيّاتها الدينيّة والدنيويّة مأخوذةٌ من المبدأ تعالى ، مستندة إلى الوحي والرسالة ، كانت راجعة إلى وظائف الدولة من الوالي والسلطات الثلاث وغيرهم ، أو إلى الملّة بالنسبة لبرامجها الثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة ونحوها .
ولو اتّفقت الحاجة إلى قواعد ومسائل لم تعلم من ظواهر الشريعة ، وكانت عصريّة مستحدثة ، تكفّل لتنظيمها واستخراجها المجلس النيابي في إطار الكلّيّات المتّخذة من الوحي ، والدستور الدولي مع إمضاء مجلس صيانة الدستور ، وإلّاكانت باطلة غير قابلة للإجراء .
هامش
( 1 ) . الفرقان ( 25 ) : 30 . .
( 2 ) . قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 29 ( دستر ) : « الدُّسْتور - بالضمّ - : النسخة المعمولة للجماعات التي منها تحريرها ، معرّبة ، والجمع : دَساتير » . .