وللنصوص الحاكية عن أنّ المدّعي ليس عليه إلّاالبيّنة ، والمدّعى عليه ليس عليه إلّا اليمين ، ولم تقع إشارة في واحدٍ منها إلى طريقيّة القرعة لإحراز الواقع ؛ بل حيث عرفتَ أنّ القرعة من الأمارات المجعولة عند الشكّ ، فلا تجري في المنازعات التي لا شكّ ولا ترديد للمتنازعين فيها ، أو لا يعترفان بذلك ؛ فيقيّد بموارد جهلها بالواقع ، وعدم إمكان الحلف ، وعدم البيّنة لواحدٍ منهما ، أو إذا تساقطت البيّنتان .
نعم ، يمكن القول بحُسن الرجوع إلى القرعة لو رضي المترافعان بها في مقام المخاصمة بلا إرجاع القضيّة إلى الحاكم ، أو مع الإرجاع .
ونظير هذا الخبر في الجملة ما ورد بطريق صحيح عن زرارة ، وفيه : قال الطيّار لزرارة : ما تقول في المساهمة ؛ أليسَ حقّاً ؟ فقال زرارة : بَلى ، هي حقٌّ .
فقال الطيّار : أليسَ قد ورد أنّه : « يخرج سهمُ المُحقّ ؟ » قال : بَلى .
قال : فتعالَ حتّى أدّعيَ أنا وأنتَ شيئاً ، ثمّ نُساهِمُ عليه ، وننظر هكذا هو .
فقال له زرارة : إنّما جاء الحديث بأنّه : ليسَ مِن قومٍ فوّضوا أمرهم إلى اللّه ، ثمّ اقترعوا إلّاخرج سهمُ المُحِقّ ؛ فأمّا على التجارب ، فلم يُوضَعْ على التجارب .
فقال الطيّار : أرأيتَ إن كانا جميعاً مدّعيين ادَّعَيَا ما ليس لهما مِن أين يخرج سهمُ أحدهما ؟ فقال : إن كان كذلك ، جُعِلَ معه سهمٌ مُبيحٌ ؛ فإن كانا ادّعيا ما ليس لهما ، خرج سهمُ المُبيح » . « 1 » والحجّة من ألفاظ هذا المروي قول زرارة : « إنّما جاء الحديث . . . » ؛ وهو الذي سبق في الخبر السابق . ولا يضرّ إضماره ؛ لجلالة شأن زرارة ، والعلم بأنّه لا يروي ذلك عن غير معصوم ، ولا يسند بهذا التعبير إلى غيره ، وسائر فقرات الكلام من زرارة نفسه .
ومراد الطيّار ممّا ذكره نقضاً لقاعدة القرعة هو إعمالها في الشيء المعلوم ، كالمال المتعلّق بأحدهما أو بغيرهما ، فيقترعان استعلاماً لصحّة الإصابة . وقول زرارة : « إنّها لم توضع للتجارب » إشارة إلى أنّه لا موضوع للقرعة في المثال ؛ إذ هي أمارة لا تجري إلّا عند الجهل بالشيء .
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 6 ، ص 238 ، ح 584 ؛ وسائل الشيعة ، ج 27 ، ص 257 ، ح 33713 . .