والظاهر أنّ الأصحاب لم يقولوا بالضرر النوعي .
السادسة : أن يكون الدوران بين المتضرّر وغيره في عرضٍ واحد ، كما إذا لزم من التصرّف في ماله تضرّر جاره ، وهذا على أقسام ثلاثة :
الأوّل : أن يكون تصرّفه في ملكه لدفع الضرر عن نفسه ، كمن احتاج إلى حفر البالوعة أو بئر الماء في داره ، ويستلزم ذلك تضرّر جاره .
والظاهر جواز التصرّف في الفرض ، ولو استلزم تضرّر الجار ؛ لعموم « الناس مسلّطون [ على أموالهم ] » ، « 1 » بعد تعارض الضررين وتساقطهما ؛ لأنّ منعه عن التصرّف في ماله حكمٌ ضرري بالنسبة إليه ، كما أنّ إباحة التصرّف حكمٌ ضرري بالنسبة إلى الجار ؛ فلا حكومة للقاعدة في المقام .
إن قلتَ : إنّ الضرر بحسب اقتضاء الحوادث التكوينيّة متوجّهٌ إلى مالك الدار ، فجعل إباحة التصرّف في حقّه المستلزم لتضرّر الجار بمنزلة صرف الضرر المتوجّه لزيد إلى عمرو ، وقد عرفتَ بطلانه ؟
قلتُ : توجّه الضرر ابتداءً إلى شخص وانصرافه إلى غيره بعمله على قسمين :
الأوّل : أن يصرفه إلى غيره بالتصرّف في مال الغير ، كما إذا أكرهه الظالم على بذل مال ، فأخذ من مال غيره ودفعه إلى الظالم .
وهذا هو الذي عرفتَ عدم جوازه ؛ لأنّ الحكم بإباحة التصرّف حينئذٍ ضرريّ ، منفيّ بالقاعدة ، دون حرمة التصرّف ؛ فإنّ الضرر ليس من قِبلها ، بل من قِبل المكرِه .
الثاني : أن يصرفه عن نفسه إلى غيره بالتصرّف في مال نفسه ، كما في المقام ؛ فإنّ منعه عن التصرّف ضرري ، كما أنّ إباحته أيضاً كذلك ؛ فالمرجع قاعدة السلطنة .
هذا ، ويمكن التمسّك في المقام بقاعدة نفي الحرج أيضاً ؛ فإنّ منع المالك عن التصرّف في ماله وإيجاب تحمّله عليه أمرٌ حرجيّ تنفيه قاعدته .
الثاني : أن يكون لجلب النفع .
هامش
( 1 ) . راجع للمزيد : السرائر ، ج 2 ، ص 382 . .