وفيه : أنّه لا إشكال في كون المراد بالضرر المأخوذ في موضوع القاعدة هو الضرر الدنيوي ، فالفعل الحاصل في مقابله نفعٌ أخروي ضرريٌّ عقلًا وعرفاً ، والنفعُ الأخروي لا يخرجه عن كونه كذلك ، ولا فرق بين الضرر الذاتيّ الملازم لعنوان المأمور به ، أو العرضي ؛ فالقاعدة تشمل الواجبات الضرريّة مطلقاً ، إلّاأنّ القسم الأوّل أخصّ دليلًا من القاعدة ، بحيث يلزم لَغويّة جعله لو قدّمت القاعدة ، فيكون مخصّصاً لها ؛ ودليل القسم الثاني ليس كذلك ، فيكون محكوماً بها .
وأمّا ما ذكره من عدم الثواب على الضرر ، فهو باطل ؛ إذ الثواب ليس إلّاعلى العمل المتحقّق في الخارج ، وهو الطاعة ؛ ففي صورة الانطباق يقع في مقابل العمل الضرري ، وفي صورة عدمه يقع في مقابل غير الضرري .
ولو قلنا بأنّ الثواب يخرج العمل عن كونه ضرريّاً ، فلا حكم ضرري في الإسلام أبداً ؛ إذ لا عمل بلا ثواب . وحينئذٍ فتلغو القاعدة بالكلّيّة ؛ اللَّهُمَّ إلّاأن تُحمل حينئذٍ على الإخبار عن عدم جعل الأحكام الضرريّة في الإسلام ، بملاحظة جبرها بالثواب ، فتكون رَدْعاً لأهل العرف ، حيث يعتقدون أنّ تلك الأحكام ضرريّة .
التنبيه السادس
مقتضى هذه القاعدة أنّه إذا توجّه ضررٌ إلى شخصٍ ، وتمكّن من رفعه عن نفسه بإضرار غيره ، لا يجوز ذلك . فإذا أشرف حائطه إلى السقوط ، وأمكن حفظه بإسناده إلى جذع الجار أو حائطه ، لا يكون مباحاً . كما أنّه إذا أكرهه الظالم على بذل شيء من ماله ، وأمكن دفعه بأخذ مال الغير وتسليمه إليه ، لم يجز ذلك .
فترخيص التصرّف في مال الغير في المثالين حكمٌ ضرريّ بالنسبة إلى الغير ، يرتفع بالقاعدة .
ولا يعارض ذلك بأنّ تحريم التصرّف أيضاً حكمٌ ضرريّ بالنسبة إليه ، فيتعارض الضرران ، وإن كان الحكم بعد التساقط أيضاً حرمة التصرّف في مال الغير .
لأنّ الضرر الأوّل لم ينشأ من حكم الشارع ، والثاني ينشأ من حكمه ؛ وذلك لأنّه لمّا كان الضرر متوجّهاً إليه ابتداءً باقتضاء حوادث التكوين في المثال الأوّل ، وبإرادة