الثاني : أنّ الحكمة التي أوجبت رفع الأحكام الوجوديّة الثابتة بأدلّتها - وهي لزوم الضرر هي بعينها - أوجبت جعل الأحكام إذا كان عدمه ضرريّاً ؛ فإذا كان في حكمة الشارع أن يرفع الحكم الثابت مراعاةً لعدم ورود الضرر على عباده ، كان مقتضاها أيضاً أن يجعل الحكم إذا كان عدمه ضرريّاً .
الثالث : أنّه لو سلّمنا عدم شمول القاعدة لنفس الأحكام العدميّة ، إلّاأنّ هناك أحكاماً وجوديّة مترتّبة على تلك الأحكام ، قابلة للرفع ؛ كحرمة مطالبة الحابس بقيمة المنافع الفائتة في المثال ، وحرمة مقاصّة المحبوس القيمة من ماله ، وحرمة التعرّض له ورفعه إلى الحاكم ، وجواز دفع الحابس المحبوس عن نفسه وماله ، وغيرها من الأحكام المترتّبة على عدم الضمان ؛ فمرجع رفع عدم الضمان إلى رفع تلك الأحكام الوجوديّة الثابتة بأدلّتها .
الرابع : أنّ القول بانحصار المجعول من الشارع في الأحكام الوجوديّة غير صحيح ؛ فإنّ ما كان جعله وإيجاده بيد الشارع ، كان جعل عدمه أيضاً بيده ؛ وكما يصحّ إنشاء وجوده ، يصحّ إنشاء عدمه ؛ والإنشاء قليلُ المؤونة ، فحكم الشارع بأنّه غير ضامن حكمٌ إنشائي شرعيّ كحكمه بأنّه ضامن ، والقاعدة كما ترفع الأوّل ، ترفع الثاني . فحكم الشارع بعدم وجوب قبول دعوة الجار إلى الضيافة - مثلًا - يرتفع بالقاعدة إذا كان ذلك ضرراً له .
هذا ، ولكنّ الإنصاف أنّ القول بهذا مشكل ؛ لاستلزامه القول بأحكامٍ لم يفتِ بها أحدٌ من الأصحاب .
الخامس : أنّه يمكن استفادة ذلك من مورد خبر سَمُرة ؛ فإنّ النبي صلى الله عليه وآله أمرَ الأنصاري بقلع النخلة ، وعلّل ذلك بعدم الضرر والضرار ؛ وظاهره أنّه قد رفع هنا حكمٌ وجوديّ ، وهو سلطنة سمرة على نخلته من حيث حقّ الإبقاء في بيت الأنصاري ؛ وحكمٌ
رساله هاى فقهى و اصولى — صفحة 114
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص١١٤