التنبيه الثاني
الأولى ذكر النصوص الواردة في المقام ، وبيان كيفيّة انطباق القاعدة المستفادة من قوله :
« لا ضرر ولا ضرار » على الموارد المذكورة في نفس تلك النصوص ، فنقول :
1 . روى الكليني في الموثّق عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام ، عن النبي صلى الله عليه وآله - في قصّة امتناع سَمُرَة بن جُندب عن الاستئذان من الأنصاري عند المرور إلى نخلته - أنّه قال صلى الله عليه وآله لسَمُرَة : « إذا « 1 » أردتَ الدخولَ ، فاستأذن » ، فأبى أن يقبل ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله للأنصاري : « إذهب ، فَاقْلَعْها ، وَارْمِ بها إليه ؛ فإنّه لا ضررَ ولا ضرارَ » . « 2 » وفقه الحديث أنّ سَمُرَة كان مالكاً للنخلة ، وكان له حقّ إبقائها في بيت الأنصاري ، وكان يستتبع ذلك جواز تردّده إلى نخلته ؛ فالمرفوع حينئذٍ أحد الأحكام الثلاثة .
لكن الظاهر من الخبر عدم ارتفاع الأوّل - أي الملكيّة - لحكمه صلى الله عليه وآله برميها إليه .
وأمّا الأخير ، فهو محتمل ، بتقريب أنّ الغرض من قوله صلى الله عليه وآله :
« اذهب ، فَاخْلَعها ، وَارْمِ بها إليه »
بعد إباء سمرة عن الاستئذان تحريمُ تردّده إلى النخلة ؛ فالأمر بالقلع صادر بعنوان الولاية حَسْماً « 3 » لمادّة الفساد الناشئ من بقائها في محلّها . فالتعليل بقوله : « لا ضرر » راجع إلى إباحة التردّد ؛ لكونها حينئذٍ حكماً ضرريّاً .
لكنّه أيضاً لا يلائمه ظاهر الخبر ، مع أنّها من آثار الحقّ الثابت ، فاللّازم توجّه الرافع إليه إذاً ، فالأقرب كون المرفوع هو حقّه على بقاء النخلة في بيت الأنصاري ، فقد ارتفع لكونه ضرريّاً ، وهو المراد من أمره صلى الله عليه وآله بقلعها ورميها إليه ، ثمّ التعليل بأنّه : « لا ضرر ولا ضرار » .
2 . المُرسل عن زرارة في تلك القضيّة عن أبي عبد اللّه عليه السلام :
« قال صلى الله عليه وآله : إنّك رجلٌ
هامش
( 1 ) . في المطبوع من الكافي : « إن » . .
( 2 ) . الكافي ، ج 5 ، ص 292 ، ح 2 ؛ التهذيب ، ج 7 ، ص 146 ، ح 651 ؛ وسائل الشيعة ، ج 25 ، ص 428 ، ح 32281 . وورد الحديث أيضاً مع اختلاف يسير في اللفظ في الفقيه ، ج 3 ، ص 233 ، ح 3862 . .
( 3 ) . الحَسْم : إزالة أثر الشيء ؛ يقال : قطعه فَحَسَمه ، أي : أزال مادّته ؛ وبه سُمّي السيف حُساماً . المفردات للراغب ، ج 1 ، ص 235 ( حسم ) . .