في جميع موارده ، كان للتنزيل محلّ .
ج - حمل الكلام على أنّه لا حكم ضرريّ بجعل الضرر والضرار مصدرين بمعنى الفاعل مراداً بهما الحكم ؛ أي لا حكم ضارّ على الناس ، وأنّه تعالى لم يشرّع حكماً يلزم من العمل به الضرر على العباد ، كوجوب الوضوء والغسل والصوم وغيرها مع الإضرار .
وعلى هذا ، فالنفي قد استعمل في معناه الحقيقي ؛ لأنّ رفع الحكم كوصفه بيد الشارع ، فقد أخبر بأنّه لم يشرّع فيما شرّعه من الدِّين حكماً ضارّاً ؛ فالكلام ناظر إلى حال المجعولات الشرعيّة - تكليفيّة كانت أو وضعيّة ، وجوديّة كانت أو عدميّة - وحاكم عليها برفعها إذا كانت ضرريّة .
اختاره الشيخ الأنصاري قدس سره « 1 » وعدّة من المحقّقين . « 2 » د - حمل الكلمة على نفي الموضوع الضرري عناية وادّعاء بتنزيله منزلة العدم بلحاظ نفي حكمه الشرعي .
وعليه أيضاً يكون المصدر بمعنى الفاعل مراداً به الموضوع . وحيث إنّه ليس منفيّاً حقيقةً ، فيُحمل على الادّعاء والتنزيل ؛ فالشارع قد حكم بعدم نفس الوضوء والغسل والصوم وغيرها من الواجبات الضرريّة ، كنايةً عن رفع وجوبها ، وحَكمَ بعدم التروك في المحرّمات الضرريّة كنايةً عن رفع حرمتها ؛ فلا إلزام لتركها كما في : « لا صلاةَ لجار المسجد إلّافي المسجد » ، « 3 » و « يا أشباه الرِّجال ولا رجال » . « 4 » اختاره المحقّق الخراساني في كفايته « 5 » وبعض المحقّقين .
هامش
( 1 ) . قال الشيخ الأنصاري رحمه الله في الفرائد ، ج 2 ، ص 524 : « فاعلم أنّ المعنى بعد تعذّر إرادة الحقيقة عدم تشريع الضرر ، بمعنى أنّ الشارع لم يشرّع حكماً يلزم منه ضرر على أحد ؛ تكليفيّاً كان ، أو وصفيّاً » . وأورد عليه الآخوند رحمه الله في الكفاية ، ص 313 إيرادات سيأتي ذيل القول الآتي . .
( 2 ) . تبعه المحقّق النائيني رحمه الله بتشييد بيانه جدّاً . انظر : منية الطالب ، ج 2 ، ص 201 . .
( 3 ) . تهذيب الأحكام ، ج 1 ، ص 92 ، ح 93 ؛ وسائل الشيعة ، ج 5 ، ص 194 ، ح 6310 ( وفيهما : « إلّا في مسجده » ) . .
( 4 ) . الكافي ، ج 5 ، ص 6 ، ح 6 ؛ دعائم الإسلام ، ج 1 ، ص 390 ؛ معاني الأخبار ، ص 310 ، ح 1 . .
( 5 ) . قال في الكفاية ، ص 381 و 382 : « الظاهر أن يكون « لا » لنفي الحقيقة ، كما هو الأصل في هذا التركيب حقيقة أو ادّعاء كناية عن نفي الآثار ، كما هو الظاهر من مثل : لا صلاة لجار المسجد إلّافي المسجد ، و : يا أشباه الرجال ولا رجال ؛ فإنّ قضيّته البلاغة في الكلام هو إرادة نفي الحقيقة ادّعاء ، لا نفي الحكم أو الصفة ، كما لا يخفى . ونفي الحقيقة ادّعاء بلحاظ الحكم أو الصفة غير نفي أحدهما ابتداء مجازاً في التقدير أو في الكلمة ممّا لا يخفى على مَن له معرفة بالبلاغة » .
ثمّ قال : « وقد انقدح بذلك - بعد إرادة نفي الحكم الضرري ، أو الضرر الغير المتدارك ، أو إرادة النهي من النفي جدّاً - ضرورة بشاعة استعمال الضرر وإرادة خصوص سبب من أسبابه ، أو خصوص الغير المتدارك منه ، ومثله لو أريد ذاك بنحو التقييد ؛ فإنّه وإن لم يكن ببعيد ، إلّاأنّه بلا دلالة عليه ، غير سديد » . .