تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
نعلم أن مقام العصمة ليس مفهومه أن المعصية مستحيلة عليهم ، بل يعني أنهم مصونون عن الإثم والمعصية بفعل إرادتهم وإيمانهم وحسن اختيارهم ، إلى جانب العنايات الربانية . إنهم كانوا يخافون من ترك الأولى ويتجنبونه ، ويخشون أن لا يتمكنوا من القيام بمسؤولياتهم الثقيلة . ولهذا نقرأ في الآية ( 15 ) من سورة الأنعام حول الرسول الأعظم قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . ولقد رويت في تفسير الآية الحاضرة - أيضا - أحاديث تؤيد ما قلناه : " صليت خلف أبي عبد الله ( الصادق ) ( عليه السلام ) ، فسمعته يقول : " اللهم لا تؤمني مكرك . ثم جهر فقال : فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " . ونقرأ في نهج البلاغة أيضا : " لا تأمنن على خير هذه الأمة عذاب الله ، لقول الله سبحانه : فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " ( 1 ) . إن عدم الأمن من المكر الإلهي - في الحقيقة - يعني الخوف من المسؤوليات والخوف من التقصير فيها ، ومن المعلوم أن الخوف يجب أن يكون في قلوب المؤمنين دائما إلى جانب الأمل بالرحمة الإلهية بشكل متساو ، وأن التوازن بين هذين هو منشأ كل حركة ونشاط ، وهو الذي يعبر عنه في الروايات بالخوف والرجاء . وقد جاء التصريح في هذه الروايات بوجوب أن يكون المؤمنون دائما بين الخوف والرجاء ، ولكن المجرمين الخاسرين نسوا العقوبات الإلهية بحيث صاروا يرون أنفسهم في منتهى الأمن المكر الإلهي . وفي الآية اللاحقة يقول القرآن الكريم - بهدف إيقاظ عقول الشعوب الغافية وإلفات نظرهم إلى العبر التي كانت في حياة الماضيين : ألا يتنبه الذين ورثوا
هامش
1 - نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الجملة 377 .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 132 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي