تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
يكونوا على استعداد لأن يؤمنوا بما كذبوا به من قبل ، بل استمروا على تكذيبهم حتى مع مشاهدتهم البينات : فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل . من هذه الجملة يستفاد أن الأنبياء الإلهيين قاموا بدعوتهم وإرشادهم مرارا وتكرارا ، ولكن المشركين لجوا في عنادهم ، وبقوا متصلبين في مواقفهم المتعنتة الرافضة ، وأعرضوا عن قبول دعوة الأنبياء حتى بعد وضوح الكثير من الحقائق . وفي العبارة اللاحقة يبين تعالى علة هذا التعنت واللجاج : كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين . يعني أن الذين يسيرون في درب خاطئ ، ويستمرون في السير في ذلك الطريق ، ينتقش الانحراف والكفر على قلوبهم نتيجة تكرار العمل السئ . ويتجذر الفساد في نفوسهم ، كما يثبت النقش على السكة ( والطبع في اللغة نقش صورة على شئ كالسكة ) وهذا في الحقيقة هو أثر العمل وخاصيته . وقد نسب إلى الله هو تعالى مسبب الأسباب ، وهو منشأ تأثير كل مؤثر ، فهو يهب الفعل هذه الخاصية عند تكراره ، حيث يجعله " ملكة " في نفس الشخص . ولكن من الواضح والبين أن مثل الضلال ليس له أي صفة جبرية وقهرية ، بل إن موجد الأسباب هو الإنسان وإن كان التأثير بأمر الله تعالى ( فتأمل ) . وفي الآية اللاحقة يبين تعالى قسمين آخرين من نقاط الضعف الأخلاقي لدى هذه الجماعات ، والتي تسببت في ضلالها وهلاكها . في البداية يقول : إنهم كانوا لا يحترمون العهود والمواثيق بل ينقضونها وما وجدنا لأكثرهم من عهد . وهذا العهد يمكن أن يكون إشارة إلى " العهد الفطري " الذي أخذه الله على جميع عباده بحكم الجبلة والفطرة ، لأنه عندما أعطاهم العقل والذكاء والقابلية ، كان مفهوم ذلك هو أخذ العهد الميثاق منهم بأن يفتحوا عيونهم وآذانهم ، ويروا الحقائق ويسمعوها ، وهذا هو ما أشارت إليه الآيات الأخيرة من هذه السورة ( أي
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 135 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي