الله ، بل كانا يريدان أن يعملا وفق رغباتهما وميولهما الشخصية ، فماذا كانت
النتيجة ؟ لقد وبخهما الله تعالى بشدة ، وأخرجهما من الجنة ، ليعيشا في عالم ملئ
بالعذاب والألم والمحنة " .
لقد أراد مفسر التوراة والإنجيل هذا أن يبرر شجرة التوراة الممنوعة ، ولكنه
نسب أعظم الذنوب وهو مضادة الله ومحاربته - إلى آدم . . . أما كان من الأفضل أن
يعترف - بدل إعطاء مثل هذه التفسيرات - بتطرق التحريف والتلاعب إلى هذه
الكتب المسماة بالكتب المقدسة ؟ !
3 3 - هل ارتكب آدم معصية ؟
يستفاد مما نقلناه من الكتب المقدسة - لدى اليهود والنصارى - أنهم
يعتقدون بأن آدم ارتكب معصية ، بل ترى كتبهم أن معصيته لم تكن معصية عادية ،
وإنما كانت معصية كبيرة وإثما عظيما ، بل إن الذي صدر عن آدم هو مضادة الله
والطموح في الألوهية والربوبية ، ولكن المصادر الإسلامية - عقلا ونقلا - تقول
لنا : إن الأنبياء لا يرتكبون إثما ، وإن منصب إمامة الناس وهدايتهم لا يعطى لمن
يرتكب ذنبا ويقترف معصية . ونحن نعلم أن آدم كان من الأنبياء الإلهيين ، وعلى
هذا الأساس فإن كل ما ورد في هذه الآيات مثل غيرها من التعابير التي جاءت
في القرآن حول سائر الأنبياء الذين نسب إليهم العصيان ، جميعها تعني " العصيان
النسبي " و " ترك الأولى " لا العصيان المطلق .
وتوضيح ذلك : أن المعصية على نوعين : " المعصية المطلقة " و " المعصية
النسبية " ، والمعصية المطلقة هي مخالفة النهي التحريمي ، وتجاهل الأمر الإلهي
القطعي ، وهي تشمل كل نوع من أنواع ترك الواجب وإتيان الحرام .
ولكن المعصية النسبية هي أن يصدر من شخصية كبيرة عمل غير حرام لا
يناسب شأنه ولا يليق بمقامه ، وربما يكون إتيان عمل مباح - بل ومستحب - لا
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 601
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٦٠١