تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
والاجتناب من أحدهما سهل ، ومن الآخر صعب وشاق جدا ، هذا مضافا إلى أنه ليست فلسفة الحكم الأول معلومة لنا بالكامل ، فمثل هذا القياس ليس سوى قياس تخميني لا أكثر . ولهذا السبب منع أئمتنا ( عليهم السلام ) من القياس بشدة ، استلهاما من كلام النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأبطلوه ، لأن فتح باب القياس يتسبب في أن يعمد كل أحد بالاعتماد على دراسته المحدودة وفكره القاصر وبمجرد أن يعتبر موضوعين متساويين من بعض الجهات . . . أن يعمد إلى إجراء حكم الأول على الثاني ، وبهذا تتعرض قوانين الشرع وأحكام الدين إلى الهرج والمرج . إن بطلان القياس عقلا ليس مقصورا على القوانين الدينية فحسب ، فالأطباء هم أيضا يؤكدون في توصياتهم على أن لا تعطى وصفة أي مريض لمريض آخر مهما تشابها من بعض النواحي ، وفلسفة هذا النهي واضحة ، لأنه قد يتشابه المريضان في نظرنا من بعض النواحي ، ولكن مع ذلك يتفاوتان من جهات عديدة ، مثلا من جهة القدرة على تحمل الدواء ، وفئة الدم ، ومقدار السكر في الدم ، ولا يستطيع الأشخاص العاديون من الناس أن يشخصوا هذه الأمور ، بل تشخيصها يختص بالأطباء وذوي الاختصاص في الطب ، فلو أعطيت أدوية مريض لآخر دون ملاحظة هذه الخصوصيات ، فمضافا إلى احتمال عدم الانتفاع بها ، فإنها ربما تكون منشأ لسلسلة من الأخطار غير القابلة للجبران . والأحكام الإلهية أدق من هذه الجهة ، ولهذا جاء في الأحاديث والأخبار أنه لو عمل بالقياس لمحق الدين ، أو كان فساده أكثر من صلاحه ( 1 ) . أضف إلى ذلك أن اللجوء إلى القياس لاكتشاف الأحكام ومعرفتها دليل على قصور الدين ، لأنه إذا كان لكل موضوع حكم في الدين لم يكن أية حاجة إلى القياس ، ولهذا فإن الشيعة حيث أنهم أخذوا جميع احتياجاتهم من الأحكام
هامش
1 - وسائل الشيعة ، المجلد 18 ، باب القياس .