تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
النبوة ، فلا مانع من أن يكلم الله أحدا لا بعنوان الوحي والرسالة ، بل عن طريق الباطني أو بواسطة بعض الملائكة ، سواء كان من يحادثه الله من الصالحين الأبرار مثل مريم وأم موسى ، أو من غير الصالحين مثل الشيطان ! ولنعد الآن إلى تفسير بقية الآيات : حيث أن امتناع الشيطان من السجود لآدم ( عليه السلام ) لم يكن امتناعا بسيطا وعاديا ولم يكن معصية عادية ، بل كان تمردا مقرونا بالاعتراض والإنكار للمقام الربوبي ، لأنه قال : أنا أفضل منه ، وهذه الجملة تعني في حقيقة الأمر أن أمرك بالسجود لآدم أمر مخالف للحكمة والعدالة وموجب لتقديم " المرجوح " على " الراجح " لهذا فإن مخالفته كانت تعني الكفر وإنكار العلم والحكمة الإلهيين ، فوجب أن يخسر جميع مراتبه ودرجاته ، وبالتالي كل ما له من مكانة عند الله ، ولهذا أخرجه الله من ذلك المقام الكريم ، وجرده من تلك المنزلة السامقة التي كان يتمتع بها في صفوف الملائكة ، فقال له : فاهبط منها . وقد ذهب جمع من المفسرين في ضمير " منها " إلى إرجاعه إلى " السماء " أو " الجنة " وذهب آخرون إلى إرجاعها إلى " المنزلة الدرجة " ، وهما لا يختلفان كثيرا من حيث النتيجة . ثم إنه تعالى شرح له منشأ هذا السقوط والتنزل بالعبارة التالية : فما يكون لك أن تتكبر فيها . وأضاف للتأكيد قائلا : فأخرج إنك من الصاغرين يعني إنك بعملك وموقفك هذا لم تصبح كبيرا ، بل على العكس من ذلك أصبت بالصغار والذلة . إن هذه الجملة توضح بجلاء أن شقاء الشيطان كله كان وليد تكبره ، وإن أنانيته هذه التي جعلته يرى نفسه أفضل مما هو ، هي التي تسببت في أن لا يكتفي بعدم السجود لآدم ، بل وينكر علم الله وحكمته ، ويعترض على أمر الله ، وينتقده ، فخسر على أثر ذلك منزلته ومكانته ، ولم يحصد من موقفه إلا الذلة
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 585 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي