تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 755

مساهمون:

ص٧٥٥
إن الجدير بالتأمل هو أن مسألة المشاورة ذكرت في الآية الحاضرة بصيغة الجمع " وشاورهم " ولكن اتخاذ القرار الأخير جعل من وظيفة الرسول الكريم خاصة إذا جاء بصيغة المفرد " عزمت " . إن الاختلاف في التعبير إشارة إلى نكتة مهمة وهي أن تقليب وجوه الأمر ، ودراسة القضية الاجتماعية من جميع جوانبها وأطرافها يجب أن تتم بصورة جماعية ، وأما عندما يتم التصديق على شئ فإن إجراءه وإبرازه في صورة القرار القطعي يجب أن يوكل إلى إرادة واحدة ، وإلا وقع الهرج والمرج ، ودبت الفوضى في الأمة لأن التنفيذ بوساطة قادة متعددين من دون الانطلاق من قيادة واحدة متمركزة سيواجه الاختلاف ، ويؤول إلى النكسة والهزيمة ، ولهذا تتم المشاورات في عالمنا الراهن بصورة جماعية ، ولكن إجراء نتائجها تناط إلى الدول والأجهزة التي تدار وتعمل تحت إشراف شخص واحد ، وفرد معين لا متعددين . والموضوع المهم الآخر الذي تشير إليه الجملة السابقة فإذا عزمت فتوكل على الله هو أن اتخاذ القرار الأخير يجب أن يقترن بالتوكل على الله ، بمعنى أن عليكم أن تستمدوا العون من الله القادر المطلق ولا تنسوه في الوقت الذي تهيئون فيه الأسباب العادية والوسائل المادية للأمر . على أن التوكل لا يعني بالمرة أن يتجاهل الإنسان الأسباب المادية والوسائل العادية للنصر والتي جعلها الله سبحانه في عالم المادة ، ومكن الإنسان الأخذ بها ، فقد روي في حديث أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال لأعرابي حضر عند النبي وقد ترك ناقته سادرة في الصحراء دون أن يعقلها حتى لا تفر أو تضل ، ظنا بأن هذا من التوكل على الله " أعقلها وتوكل " . أجل ليس المراد من التوكل هو هذا المفهوم الخاطئ ، بل المراد منه هو أن لا ينحصر الإنسان في حصار هذا العالم المادي ، وفي حدود قدرته الضيقة ،
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 755 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي