تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم . ونظرا لأن " أفضتم " مشتقة من الإفاضة ، بمعنى خروج الماء بكثرة ، واستعملت في حالات أخرى للتوغل في الماء ، نتج من هذه العبارة أن شائعة الاتهام توسعت بشكل شملت المؤمنين مضافا إلى مروجيها الأصليين ( المنافقين ) . وتبين الآية التالية - في الحقيقة - البحث السابق . وهو كيف ابتلي المؤمنين بهذا الذنب العظيم نتيجة تساهلهم ؟ فتقول إذ تلقونه بألسنتكم أي تذكروا كيف رحبتم بهذه التهمة الباطلة فتناقلتموها وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ولا تحسبونه هينا هو عند الله عظيم . وتشير هذه الآية إلى ثلاثة أنواع من ذنوبهم العظيمة في هذا المجال : الأول : تقبل الشائعة : استقبالها وتناقلها . الثاني : نشر الشائعة دون أي تحقيق أو علم بصدقها . الثالث : استصغار الشائعة واعتبارها وسيلة للهو وقضاء الوقت ، في وقت تمس فيه كيان المجتمع الإسلامي وشرفه ، إضافة إلى مساسها بشرف بعض المسلمين . ومما يلفت النظر أن الآية استعملت تعبير " بألسنتكم " تارة أخرى تعبير " بأفواهكم " على الرغم من أن جميع الكلام يصدر عن طريق الفم واللسان ، إشارة إلى أنكم لم تطلبوا الدليل على الكلام الذي تقبلتموه ، ولا تملكون دليلا يسوغ لكم نشره ، والأمر الوحيد الذي كان بأيديكم هو لقلقة لسانكم وحركات أفواهكم . ونظرا لهول هذه الحادثة التي استصغرها بعض المسلمين ، أكدتها الآية ثانية ، فأنبتهم مرة أخرى ولذعتهم بعباراتها إذ قالت ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 46 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي