امتدادها ، ومن هنا نكون مضطرّين لتقديم واحدةٍ على الأخرى لا لدليلٍ يحتّم ويستدعي ذلك ، بل لعلّةٍ وسببٍ خارج نظام القيم يفرض ذلك ، بمعنى أنّ القيم الأخلاقيّة من حيث إنّها قيمٌ أخلاقيةٌ لا تستدعي أيّاً من هاتين الفضيلتين بخصوصها على حساب الأخرى ، إلّا أنّ العقل البشري حينما يهدف إلى وضع صيغةٍ نهائيّةٍ عمليةٍ وميدانيّةٍ فإنّه يضطرّ من باب التزاحم إلى ملاحظة الآثار الواقعية للاحتمالات الثلاثة أي احتمال ترجيح الأولى أو الثانية أو عدم الترجيح ، ومن ثم يخرج بنتيجة أن هذه الخصلة وتلك هي المحكّمة ضمن قيودٍ وشروطٍ محدّدةٍ .
المثال البارز لهذه الفكرة هو مبدأ الحرّية ومبدأ العدالة واللذان يمثّلان قيماً إنسانيةً أعلائيةًّ ، فإنه لا يمكن لأيّ مجتمعٍ أن يحوزهما معاً ، بل إمّا أن يقدّم مبدأ العدالة أو مبدأ الحرّية على حساب الآخر ، إمّا تقديماً كلياً أو جزئياً أو التوصّل إلى حلٍّ وسطيٍّ أو شبه وسطيٍّ .
ولا يقتصر مبدأ التعارض بين القيم في الواقع العملي على تلك القيم التي يراد إعمالها في الدائرة الإجتماعيّة ، بل يسري أيضاً إلى القيم التي يراد للفرد نفسه التحلّي بها . إنّ التزاحم بين المثل والقيم في الفرد هو الآخر حقيقةٌ واقعيّةٌ ، لنفرض - ونحن مجرّد عقلٍ عمليٍّ بعيداً عن أيّة تشريعاتٍ - أنّ فقيراً سرق مالًا لإعالة أولاده الصّغار من فقيرٍ آخر . . . هنا أفهل نمدح قيمة السّعي لإعالة الإنسان أطفاله أو نذمّ قيمة السّرقة أو العكس ؟ أخلاقيّاً إما أن نمدحهما معاً أو نذمّهما
التعددية الدينية (نظرة في المذهب البلورالي) — صفحة 97
مساهمون: حيدر حب الله
ص٩٧