عن نفس الحقيقة كلٌّ من موقعه وكلٌّ بلغته ، ومن هنا يكون المشبّه والمجسّم لله تعالى مؤمناً بنفس ما يؤمن به المنزّه له جل وعلا ، لكنّ تجلّي الحقيقة المطلقة في أفق إدراكه وتفسيره لها بلغته التي تعبّر عن مخزونه المعرفي والثقافي يختلف لا أزيد . وهذا ما دفع البعض كالمستشرقين إلى الحديث عن موضوع ذكورة الله تعالى وعلاقته بثقافة البادية في قبال أنوثته لدى بعض الهنود القدماء ، أو الحديث عن الجنّة في القرآن الكريم من منظارِ عقلٍ عربيٍّ صحراويٍّ ، وإلّا لما كان للخضرة والطبيعة الطريّة كثير مزيّةٍ لو نزل القرآن الكريم في البلاد الغربيّة .
القضية بالنسبة لموضوع التجربة الدينية ترجع إلى نقطةٍ هامّةٍ وهي من هو الذي نطلق عليه اسم صاحب النظرية الفلانيّة ؟ هل هو الذي أحسّ بالواقع الذي تُنبىء عنه النظرية أو هو الذي نجح في تفسير هذا الواقع وتحويله إلى دائرة المفاهيم المتناسقة والمعبّرة ؟ إنّ كلّ إنسانٍ كما مثّلنا يحسّ بالأوكسجين وهكذا صاحب التجربة الدينية أي ذاك المتدين أو العارف أو . . . يحسّ في أعماق قلبه بتجربته ، وإذا أردنا أن نستخدم تعبيراً آخر فهو يدركها إدراكاً حضوريّاً ويستدعيها بذاتها لا بممثّلٍ عنها ، لكن المتديّن ليس صاحب نظريّة ، ومن هنا فهو لا يختلف عن بقية المتديّنين في تجاربهم إلا بلحاظ التجربة نفسها كتجربةٍ من أنها عرفانيةٌ أو أخلاقيّةٌ أو . . . وهذا تماماً كأفراد البشر فإنهم لا يختلفون عن بعضهم فيما يتعلّق بالإحساس بالهواء أو
التعددية الدينية (نظرة في المذهب البلورالي) — صفحة 93
مساهمون: حيدر حب الله
ص٩٣