تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعددية الدينية (نظرة في المذهب البلورالي) — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
وأغلب الظن أنّ الطريق الثاني أقرب إلى الدقّة والشموليّة من الأوّل لأنّه يقوم بعمليّة إستنفادٍ واحتواءٍ لكلّ المحتملات وكلّ المبرّرات ، ثم يحاكمها محاكمةً مجرّدةً دون أن يتعثّر بمحاكماتٍ قد تكون أحياناً أقرب إلى الشخصيّة منها إلى الفكريّة ، فهو يجالس الفكرة دون أن يجعلها مرآةً لمن فكّر بها ، وسوف نحاول غالباً اعتماد هذا الأسلوب هنا إن شاء الله تعالى ، لأنّ النمط الأوّل وإن لم يجانب الموفقيّة غير أنّه كثيراً ما يؤدّي إلى حالةِ ضبابيّةٍ جدليّةٍ ، وهو ما خلق اليوم مشكلةً قديمةً جديدةً ، واحدةٌ من أهمّ آثارها هي اختفاء الآخر وحضور التصوّرات التحميليّة والإسقاطيّة مكانه وضياع النّظم العلمي الصّحيح لقراءة الأفكار ووزنها . ومن الجدير الإشارة إلى أنّ النظريّات والأفكار الجديدة غالباً ما تكون منقوصةً وضعيفةً أمام المدّ التاريخي للأفكار الأخرى المتجذّرة في أعماق التجارب العديدة التي تمنحها رصيداً جيّداً ولو في حقبةٍ معيّنةٍ ، والسّبب في ضعفها غالباً ما يكون ناتجاً عن قلّة تجربتها العلميّة والعمليّة وهو أمرٌ طبيعيٌّ ومترقّبٌ ، ومن هنا فكما نطالَب بنقد هذه الأفكار ، كذلك نحن مدعوون إلى محاولة سدّ نقصها الذي لا يمنع من كونها صحيحةً ثبوتياً لكن الإثبات ضعيفٌ كما قلنا ، فالأمانة العلميّة التي دعتنا إلى محاولة تهذيب وإعادة ترتيب فكرةٍ ما لأنّنا نؤمن بها ونتلّمس المخارج لها كذلك هي نفسها تدعونا إلى سلوك نفس الطّريق مع الأفكار الأخرى .