كما يقال في الأصل الحاكم بالنسبة إلى الأصل المحكوم : إنّ الأوّل بلسان إثبات الواقع لا في موضوع الشكّ في موضوعه ، والثاني حكم في موضوع الشكّ فيه ، والأوّل وإن كان ليس لسانه أوّلًا : ألغِ الشكّ ولا تعتنِ به ، لكن إذا كان لسانه الأوّلي إعطاء الواقع فهو بغرض رفع الشكّ ، وهذا أيضاً شريك مع لسان نفي الشكّ في ملاك الحكومة والتقدّم .
كذلك نقول في المقام : إنّ الحكم وإن رتّب على الاحتمال والاحترام بنحو تمام الدخل ، لكن من المعلوم أنّ الواقع علّة لهذا الحكم ، فهو وإن لم يكن حيثية تقييدية لكنّه حيثية تعليلية ؛ فإنّ الشارع إنّما حرّم الإقدام والاقتحام في محتمل الضرر لكون النفس والعرض من المسلم عنده محترماً وذا شأن ، فإذا قام أصل على نفي هذه العلّة وأنّ هذا موضوع لا يرى له الشارع شأناً واحتراماً ، فلا محالة يكون حاكماً على الدليل الدالّ على احترام المؤمن ووجوب احتفاظ دمه وعرضه ؛ فإنّ الدليل لسانه في مورد الشكّ : أنّ المؤمن ذو شأن عند الشارع فاحتفظه ، والأصل لسانه : أنّ هذا الشخص ليس مؤمناً قد أوجب الشارع احترامه وحمايته ، ومن المعلوم حكومة هذا على الأوّل .
هذا على تقدير إجراء الاستصحاب في الشخص المقول عنه ، ويمكن إجراؤه في نفس القول أيضاً ؛ بأن يقال : إنّ هذا القول لم يكن في السابق غيبة ووقيعة في المؤمن الكاره الغير المتجاهر ، والآن نشكّ في بقائه ، فالأصل بقاؤه على ما كان » « 1 » .
فتحصّل : أنّه لا مجال للبراءة في الشبهات الموضوعية والمصداقية في الغيبة ؛ لأنّها من الأعراض ، والأصحاب لا يأخذون بالبراءة في الدماء والأموال والأعراض . والوجه في ذلك : أنّ مادّة حفظ الأعراض والدماء والأموال تقتضي الاجتناب عن الشبهات ، ومع قيام الأدلّة على حفظ هذه الأمور لا مجال للتمسّك بأصل البراءة ؛ لأنّ
هامش
( 1 ) المكاسب المحرّمة / ص 235 - 239 .