أصبحت يا رسول اللّه موقناً ، فعجب رسول اللّه من قوله ، وقال له : إن لكل يقين حقيقة ، فما حقيقة يقينك ؟
فقال : إنّ يقيني يا رسول اللّه هو الذي أحزنني ، وأسهر ليلي ، وأظمأ هواجري ، فعزفت
نفسي عن الدنيا وما فيها ، حتى كأني أنظر إلى
عرش ربي ، وقد نصب للحساب ، وحُشر الخلائق لذلك ، وأنا فيهم ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة
يتنعمون في الجنة ويتعارفون ، على الأرائك متكئون ، وكأني أنظر إلى أهل النار وهم
فيها معذَّبون ، مصطفون ، وكأن الآن استمع زفير النار يدور في مسامعي .
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لأصحابه : هذا عبد نوّر اللّه قلبه بالإيمان ،
ثم قال له : إلزَم ما أنت عليه ، فقال الشاب : أدع اللّه لي يا رسول اللّه أن أرزق
الشهادة معك ، فدعا له رسول اللّه فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي فاستُشهد بعد
تسعة نفر وكان هو العاشر » ( 1 ) .
خصائص الموقنين :
متى ازدهرت النفس باليقين ، واستنارت بشعاعه الوهّاج ، عكست على ذويها ألواناً من
الجمال والكمال النفسيين ، وتسامت بهم إلى أوج روحي رفيع ، يتألقون في آفاقه تألق
الكواكب النيرة ، ويتميزون عن الناس تميز الجواهر الفريدة من الحصا .
فمن أبرز خصائصهم ومزاياهم ، أنك تجدهم دائبين في التحلي بمكارم الأخلاق ، ومحاسن
الأفعال ، وتجنب رذائلها ومساوئها ، لا تخدعهم زخارف الحياة ، ولا تلهيهم عن تصعيد
كفاءاتهم ومؤهلاتهم الروحية لنيل الدرجات الرفيعة ، والسعادة المأمولة في الحياة
الأخروية ، فهم متفانون في طاعة اللّه عز وجل ، ابتغاء رضوانه ، وحسن مثوبته ، متوكلون عليه ، في سراء الحياة وضرائها ، لا
يرجون ولا يخشون أحداً سواه ، ليقينهم بحسن تدبيره وحكمة أفعاله .
هامش
( 1 ) الوافي ج 3 ص 33 عن الكافي .