وطفق القرآن الكريم يغرس في نفوس المسلمين مفاهيم التآخي الروحي ، مركزاً على ذلك
بآياته العديدة وأساليبه الحكيمة الفذّة .
فمرة شرّع التآخي ليكون قانوناً للمسلمين « إنما المؤمنون إخوة ، فأصلحوا بين أخويكم ،
واتقوا اللّه لعلكم ترحمون » ( 1 ) .
وأخرى يؤكد عليه محذراً من عوامل الفرقة ، ومذكراً نعمة التآلف والتآخي الاسلامي ،
بعد طول التناكر والتناحر الجاهليين ، « واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرقوا ،
واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداءاً ، فألّف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته
إخواناً » ( 2 ) .
وهكذا جهد الاسلام في تعزيز التآخي الروحي وحماه من نوازع الفرقة والانقسام ، بما
شرّعه من دستور الروابط الاجتماعية في نظامه الخالد . واليك نموذجاً من ذلك :
1 - تسامى بشعور المسلمين وعواطفهم ، أن تسترقها النعرات العصبية ، ونزعاتها
المفرّقة ، ووّجهها نحو الهدف الأسمى من طاعة اللّه تعالى ورضاه : فالحبّ والبغض ،
والعطاء والمنع ، والنصر والخذلان : كل ذلك يجب أن يكون للّه عز وجل ، وبذلك تتوثق عرى
المؤاخاة ، وتتلاشى النزعات المفرقة ، ويغدو المسلمون كالبنيان المرصوص ، يشدّ بعضه
بعضاً .
واليك قبساً من آثار أهل البيت عليهم السلام في هذا المقام :
عن الباقر عليه السلام قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله « ودّ المؤمن للمؤمن
في اللّه ، من أعظم شعب الإيمان ، ألا ومن أحبّ في اللّه ، وأبغض في اللّه ، وأعطى في
اللّه ، ومنع في اللّه ، فهو من أصفياء اللّه » ( 3 ) .
وقال الصادق عليه السلام : « إنّ المتحابين في اللّه يوم القيامة ، على منابر من نور ،
قد أضاء نور وجوههم ، ونور أجسادهم ، ونور منابرهم ، كل شيء حتى يعرفوا
هامش
( 1 ) الحجرات : 10 .
( 2 ) آل عمران : 103 .
( 3 ) الوافي ج 3 ص 89 عن الكافي .