التآخي
التآخي الروحي :
كان العصر الجاهلي مسرحاً للمآسي والأرزاء ، في مختلف مجالاته ونواحيه الفكرية
والمادية .
وكان من أبشع مآسيه ، ذلك التسيب الخُلقي ، والفوضى المدمّرة ، مما صيّرهم يمارسون
طباع الضواري ، وشريعة الغاب والتناكر والتناحر ، والفتك والسلب ، والتشدق بالثأر
والانتقام .
فلما أشرق فجر الاسلام ، وأطل بأنواره على البشرية ، استطاع بمبادئه الخالدة ، ودستوره
الفذّ أن يُطبّ تلك المآسي ، ويحسم تلك الأوزار ، فأنشأ من ذلك القطيع الجاهلي « خير
أمة أخرجت للناس » ( 1 ) عقيدة وشريعة ، وعلماً وأخلاقاً . فأحلّ الإيمان محل الكفر ،
والنظام محل الفوضى ، والعلم محل الجهل ، والسلام محل الحرب ، والرحمة محل الانتقام .
فتلاشت تلك المفاهيم الجاهلية ، وخلفتها المبادئ الاسلامية الجديدة ، وراح النبي صلى
اللّه عليه وآله يبني وينشئ أمة مثالية تبذ الأمم نظاماً ، وأخلاقاً وكمالاً .
وكلما سار المسلمون أشواطاً تحت راية القرآن ، وقيادة الرسول الأعظم
صلى اللّه عليه وآله ، توغلوا في معارج الكمال ، وحلقوا في آفاق المكارم ، حتى حققوا
مبدأ المؤاخاة بأسلوب لم تحققه الشرائع والمبادئ ، وأصبحت أواصر العقيدة أقوى من
أواصر النسب ، ووشائج الإيمان تسمو على وشائج القومية والقبلية ، وغدا المسلمون . أمة
واحدة ، مرصوصة الصف ، شامخة الصرح ، خفّاقة اللواء ، لا تفرقهم النعرات والفوارق .
« يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوباً وقبائل ، لتعارفوا ، إن
أكرمكم عند اللّه أتقاكم » ( 2 ) .
هامش
( 1 ) آل عمران : 110 .
( 2 ) الحجرات : 13 .