« لما احتضر أمير المؤمنين عليه السلام جمع بنيه ، حسناً وحسيناً وابن الحنفية
والأصاغر فوصّاهم ، وكان في آخر وصيته : - يا بنيّ عاشروا الناس عشرة ، ان غبتم حنّوا
إليكم ، وإن فقدتم بكوا عليكم ، يا بنّي إن القلوب جنود مجندة تتلاحظ بالمودة ،
وتتناجى بها ، وكذلك هي في البغض ، فإذا أحببتم الرجل من غير خير سبق منه
إليكم فارجوه ، وإذا أبغضتم الرجل من غير سوء سبق منه إليكم فاحذروه » ( 1 ) .
الصداقة بين المدّ والجزر :
اختلف العقلاء في أيّهما أرجح وأفضل ، الاكثار من الأصدقاء أو الاقلال منهم .
ففضل بعضهم الاكثار منهم والتوفر عليهم ، لما يؤمل فيهم من جمال المؤانسة وحسن
المؤازرة والتأييد .
ورجح آخرون الاقلال منهم ، لما ينجم عن استكثارهم من ضروب المشاكل المؤدية إلى
التباغض والعداء ، كما قال ابن الرومي :
عدوك من صديقك مستفاد * فلا تستكثرن من الصحاب
فانّ الداء أكثر ما تراه * يكون من الطعام أو الشراب
والحق أنّ قيم الأصدقاء ليست منوطة بالقلة أو الكثرة ، وانما هي فيما يتحلون به من
صفات النبل والاخلاص والوفاء ، التي لا تجتمع الا في المثاليين منهم ، وهم فئة قليلة
نادرة تتألق في دنيا الأصدقاء تألق اللآليّ بين الحصا .
وصديق مخلص وفيّ خير من الف صديق عديم الاخلاص والوفاء ، كما قال الإسكندر : المستكثر
من الاخوان من غير اختيار كالمستوفر من الحجارة ، والمقلّ من الاخوان المتخير لهم
كالذي يتخير الجوهر .
حقوق الأصدقاء :
وبعد ان أوضح أهل البيت عليهم السلام فضل الأصدقاء الأوفياء ،
هامش
( 1 ) البحار كتاب العشرة ص 46 عن أمالي الشيخ أبي علي ابن الشيخ الطوسي .