وأنا أزعم أنّ ابني عاق ، وقد جئتك اليوم أطلب جلدتي شاة ، اجعل إحداهما
شعاراً ، والأخرى دثاراً .
قال فرفقت لها ، ووهبت لها دراهم ، فكادت تموت فرحاً ( 1 ) .
ودخل بعض الوعاظ على الرشيد ، فقال : عظني ، فقال له : أتراك لو منعت شربة من ماء عند
عطشك ، بم كنت تشتريها ؟ قال : بنصف مُلكي .
قال : أتراها لو حُبِسَت عند خروجها بم كنت تشتريها ؟ قال : بالنصف الباقي .
قال : فلا يغرنّك مُلك قيمته شربة ماء ( 2 ) .
فجدير بالعاقل أن يدرك أن جميع ما يزهو به ، ويدفعه على الغرور من مال ، أو علم ، أو
جاه ، ونفوذ ، إنّما هي نِعَم وألطاف إلهية أسداها المنعم الأعظم ، فهي أحرى بالحمد ،
وأجدر بالشكر ، منها بالغرور والخيلاء .
الجاه بين المدح والذم :
ليس طلب الجاه مذموماً على الاطلاق ، وإنما هو مختلف باختلاف الغايات والأهداف ، فمن
طلبه لغاية مشروعة ، وهدف سام نبيل ، كنصرة المظلوم ، وعون الضعيف ، ودفع المظالم عن
نفسه أو غيره ، فهو الجاه المحبب المحمود .
ومن توخاه للتسلط على الناس ، والتعالي عليهم ، والتحكم بهم ، فذلك هو الجاه الرخيص
الذميم .
وقد تلتبس الغايات أحياناً في بعض صور الجاه ، كالتصدي لإمامة الجماعة ، وممارسة
توجيه الناس وإرشادهم ، وتسنم المراكز الروحية الهامة .
فتتميز الغايات آنذاك بما يتصف به ذووها من حسن الاخلاص ، وسمو الغاية ، وحب الخير
للناس ، أو يتسمون بالأنانية ، والانتهازية ، وهذا من صور الغرور الخادعة ، أعاذنا
اللّه منها جميعاً .
هامش
( 1 ) سفينة البحار م 2 ص 609 .
( 2 ) لآلي التركاني .