قال : فأنتَ ذلك الغنيُّ الآن ، وأنت ذلك الملكُ ، فتسلى الرجل بكلامه .
وقال بعض العارفين لرجل من الأغنياء : كيف طلبك للدنيا ؟ فقال : شديد . قال : فهل أدركت
منها ما تريد ؟ قال : لا . قال : هذه التي صرفت عمرك في طلبها لم تحصل منها على ما تريد
فكيف التي لم تطلبها ! !
ولا ريب أن تلك العظات لا تنجع إلا في القلوب السليمة ، والعقول الواعية ، أما الذين
استرقتهم الحياة ، وطبعت على قلوبهم ، فلا يجديهم أبلغ المواعظ ، كما قال بعض
العارفين : إذا أشرب القلبُ حبَّ الدنيا لم تنجع فيه كثرة المواعظ ، كما أن الجسد إذا
استحكم فيه الداء ، لم ينجع فيه كثرة الدواء .
( ب ) غرور العلم
ومن صور الغرور ومفاتنه ، الاغترار بالعلم ، واتساع المعارف ، مما يثير في بعض الفضلاء
الزهو والتيه ، والتنافس البشع على الجاه ، والتهالك على الأطماع ، ونحوها من الخلال
المقيتة ، التي لا تليق بالجُهّال فضلاً عن العلماء .
وربّما أفرط بعضهم في الزهو والغرور ، فَجُنَّ بجنون العظمة ، والتطاول على الناس
بالكبر والازدراء .
وفات المغترين بالعلم أنّ العلم ليس غاية في نفسه ، وإنّما هو وسيلة لتهذيب الانسان
وتكامله ، وإسعاده في الحياتين الدنيوية والأخروية ، فإذا لم يحقق العلم تلك الغايات
السامية ، كان جُهداً ضائعاً ، وعَناءاً مُرهقاً ، وغروراً خادعاً : « مثل الذين حُملوا
التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً » ( الجمعة : 5 ) .
وقد أحسن الشاعر حيث يقول :
ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم * ولو عَظّموه في النفوس لعَظُما
ولكن أهانوه فهان وجهّموا * محياه بالأطماع حتى تجهما
فالعلم كالغيث ينهلّ على الأرض الطيبة ، فيحيلها جناناً وارفة ،
تزخر بالخير والجمال ، وينهلّ على الأرض السبخة فلا يجديها نفعاً .
أخلاق أهل البيت ( ع ) — صفحة 138
مساهمون: السيد مهدي الصدر
ص١٣٨