( ج ) غرور الجاه :
ويعتبر الجاه والسلطة من أقوى دواعي الغرور ، وأشد بواعثه ، فترى المتسلطين يتيهون
على الناس زهواً وغروراً ، ويستذلون كراماتهم صَلَفاً وكِبراً .
وقد عاش الناس هذه المأساة في غالب العصور ، وعانوا غرور المتسلطين وتحديهم ، بأسى
ولوعة بالغين .
وفات هؤلاء المغرورين بمفاتن السلطة والرعة ، إن الاسراف في الغرور والأنانية أمر
يستنكره الاسلام ويتوعد عليه بصنوف الانذار والوعيد ، في عاجل الحياة وآجلها ، كما
يعرضهم لمقت الناس وغضبهم ولعنهم ، ويخسرون بذلك أغلى وأخلد مآثر الحياة : حب الناس
وعطفهم ، وكان عليهم أن يستغلوا جاههم ، ونفوذهم في استقطاب الناس ، وتوفير رصيدهم
الشعبي ، وكسب عواطف الجماهير وودّهم .
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم * فطالما استعبد الاحسان إنسانا
وأقوى عامل على تخفيف حدة هذا الغرور ، وقمع نزواته العارمة ، هو التأمل والتفكر فيما
ينتاب هؤلاء المغرورين من صروف الدهر ، وسطوة الأقدار ، وتنكر الزمان . فصاحب السلطان
كراكب الأسد ، لا يدري أمَدَ غضبه وافتراسه .
وقد زخر التاريخ بصنوف العبر والعظات الدالة على ذلك :
ومنها : ما ذكره عبد اللّه بن عبد الرحمن صاحب الصلاة بالكوفة ،
قال : دخلت إلى أمي في يوم أضحى ، فرأيت عندها عجوزاً في أطمار رثة ، وذلك في سنة 190 ،
فإذا لها لسان وبيان ، فقلت لأمي : من هذه ؟ قالت : خالتك عباية أم جعفر بن يحيى
البرمكي . فسلمت عليها ، وتحفيت بها ، وقلت : أصارك الدهر إلى ما أرى ؟ !
فقالت : نعم يا بني ، إنّا كنّا في عواري ارتجعها الدهر منّا . فقلت : فحدثيني ببعض
شأنك .
فقالت : خذه جملة ، لقد مضى عليّ أضحى ، وعلى رأسي أربعمائة وصيفة ،
أخلاق أهل البيت ( ع ) — صفحة 140
مساهمون: السيد مهدي الصدر
ص١٤٠