. . . لأنهم أيا كانوا وأيان فهم حضور عند اللّه دون غياب ، قبل أن يوجدوا وبعده ، أحياء وأمواتا ، وان غائب الصيغة لا يشمله وهو حاضر « جزاءهم » وحاضرها تشمله وإياهم ، ثم وحاضر الإنذار أوقع من غائبه .
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ( 64 ) .
آية عديمة النظير تحمل فيما تحمل افتعالات الشيطان في أوامر أربعة لا تعني إلّا ما عناه « اذهب » دون دفع تكويني أو تشريعي ، وإنما سماح وإنظار وأنه لا يمنع تكوينا مهما منع تشريعا : « فان جهنم جزاءكم » وترى إن اللّه يدله على موارد إضلاله ؟ كلا ! وإنما يدلنا على مجاري ضلاله ومناهل اعتقاله .
وتحتصر الآية فيما تختصر قدر المستطاع من كيد الشيطان ، ولكي نكون على نبهة واهبة في مواجهته بما زودنا من طاقات ، وتزيدنا نجاحا في هذا النضال مواعيد ربنا « تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا » ( 19 : 63 ) ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا » .
فهناك خطوة إبليسية أولى : « وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ » :
فما هو صوته وما هو استفزازه بصوته ؟ .
الاستفزاز هو الاستخفاف الإزعاج من الفز : ولد البقرة لما تصور فيه من الخفة كما يسمى عجلا لما تصور فيه من العجلة ، ولا يحمل على العصيان ولا يحتنك للشيطان إلّا من يستفز استخفافا عن ثقله ، وكما أن فرعون « فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ » ( 43 : 54 ) وأراد ان يستفز بني إسرائيل فثبتّهم موسى « فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً » ( 17 : 103 ) وكادوا ليستفزوا الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ولكن
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 42
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤٢