هنا تتقدم امرأة فرعون على مريم أم المسيح ، لا لسبق زمني فحسب ، بل ولكي يدلنا أن أموته المسيح واخوة هارون وبنوة عمران لا تغني عنها شيئا ، وإنما هي تقوى اللّه تغني ، فامرأة فرعون متحللة نسبيا وسببيا عن كل ذلك ، ولكنها بتقواها في جوّ الطغوى تستحلّ مكانة عليا ، لحدّ تقدّمها في الذكر على مريم عليه السلام .
أظنها الامرأة الوحيدة ، في مملكة عريضة ، عند أعظم ملوك الأرض وأقواهم وأطغاهم ، في قصر عديم النظير ، تجد فيه المرأة كل ما تشتهيه ، فهي في هذه الأوساط الكافرة ، تحت ضغط الملك والحاشية والبلاط ، وضغط المجتمع السامّ ، في خضمّ هذه الظلمات الطاغية . . . إنها وحدها ترفضها كلها وتعتبرها سجنا وشرّا ونحسا تستعيذ باللّه منها .
تطلب من اللّه تعالى أن يبني لها بيد الألوهية بيتا في الجنة يعوضها به عن قصرها ، وأن ينجيها من شرّ الطاغية ( فرعون ) وهي ألصق الناس به ! ومن عمله ، وهي تعيش تحت رحمته ! ومن آله وأتباعه : « وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » ! وإنها لنموذج عال في الاستعلاء على عرض الحياة وزهرتها في أجمل صورة وأزهرها ، والتجرّد للّه من كافة الجواذب المتخلفة ، والهواتف المضللة ، والمعوقات القوية ، ولتسمح لنفسها أن تطلبه هذا الطلب العظيم :
« رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ » : ف « ربّ » توحي باختصاصها بتربية خاصة إلهية تنجيها عن هذه الورطة المهلكة ، و « ابن لي » رفض لكل عامر ملائكي وسواه إلى معمار الكون أن يبني لها بيتا بمشيئته دون وسائط ، و « عندك » لا تعني عندية مكانية فإنه تعالى ليس له مكان ، إنما عندية المكانة أن يبني بيتها في أرفع مكان وأعلى مكانة في الجنة حيث مسكن الأنبياء ! ثم تطلب النجاة المثلث من : « فرعون » الجاهل « وعمله » الباطل و « من القوم الظالمين » الباطلين الجاهلين .
ومتى تطلب ؟ هل بعد أن تأخذها الورطة الفرعونية إلى حزبه ؟ فكيف طلبت أولا
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 413
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤١٣